وسقط قناع الفضيلة
لم يلحظه أحدٌ حين عبر الشريط الزلق المحاذي للقرية، لا لأن العتمةَ كانت غليظةً فحسب، بل لظنٍ سائد بأن ليس ثمة من سيتكبد عناء سبيلٍ وعر تاركاً الطريق الممهدة التي اعتادها الجميع. كان ذياب يعلم ذلك، كما كان مدّعياً في غالب أمره، ويعيش بأخلاقٍ مستعارة يتأرجح بين مثاليةٍ يبديها وضعفٍ يخفيه ويواري سوءةَ نواياه برداءِ التظاهر. وفيما كان حفيفُ أنفاسه يرسم خيطاً ضبابياً متقطعاً يسم الغسق بشقوقٍ رمادية كان يخطو ببطء وحذر محدثاً نفسه بصباحٍ مثير. كانت السماء تخفي زرقتها تحت عباءة رمادية وأضواء القناديل تخفت والفراشات تنفض عن أجنحتها هالات الضوء، وماأن بدأ الليلُ يحزم سمرته ليغادر قمم الجبال حتى كانت قدما ذياب قد تخطتا نتوآتِ الصخور الزلقة إلى المنازل المتراصة بجوار بعضها صعوداً نحو الرابية لتستقرا به أسفل نافذة منزل يسكنه الفحام مرزوق. بقي في موضعه منتظراً أن تلفظ القرية ساكنيها نحو الحقول والمراعي. وحين صبغت الشمس قمم الجبال بصفرتها كان مرزوق قد غادر القرية نحو السوق الذي يبعد كيلومترات حاملاً على دابته كيسي فحم كانا ماتبقى من أشجار السمر التي احرقها ليصنع منها الفحم. تسلل ذياب حتى وصل باب الفحام وطرقه وعندما فتحته نوض ابتسم وسأل عن زوجها. كانت نوض نابهةً فقرأت في عينيه ماجاء من أجله وعلمت مايضمره، غير أنها تغافلت علّ ضعفه يتراجع أمام حيائها لكنها سرعان ماأيقنت أن رجلاً قطع تلك المسافة قد نحى قيمه وخلع مبادئه وغلبه هواه، ولم ترى بداً من الحيلة للنجاة. أغدقت عليه المديح وتظاهرت بالسرور لقدومه وادعت أنها لطالما أرادت لقاءه ولكنها تخشى أن يفاجئهما زوجها بعودته،ولذلك عليه أن يذهب إلى السوق ليتأكد من وجوده هناك ثم يعود سريعًا. ثم اقتربت منه ببطء ومررت يديها بنعومه ولين على وجنتيه وقالت بصوت مكسور النبرة: -سأنتظرك... لاتُبطئ، واعرف منه متى سيعود، ريثما أتخلّص من رذاذ الفحم العالق بجسدي. بعد دقائق كان ذياب يقف أمام مرزوق سائلا إياه عما قد يكون ثمن «جنبيته» فيما لو باعها. رفع مرزوق رأسه وحدق فيه ملياً ثم قال بابتسامةٍ غامضةٍ : هل مررت بنوض قبل مجئيك فأرسلتك إلي!؟. ارتبك ذياب، ولم يدرك مغزى السؤال، غير أن بصره انحدر إلى نصل جنبيته فرأى وجهه وقد طلي بغبار الفحم. فعلم أن قناع الفضيلة قد سقط عنه.