في بيئاتٍ أكاديميةٍ تضجّ بسباق المؤشرات، وتلهث خلف أرقام “شنغهاي” ومعايير الاعتمادات الدولية، قد نغفل عن حقيقةٍ بسيطة لكنها جوهرية: إن أغلى ما تملكه الجامعة ليس فخامة مبانيها، ولا حداثة مختبراتها، ولا رصيدها من أبحاث الـ (Q1) والـ (Q2)؛ بل هو الطالب.. والطالبُ وحده. المعمل قد يشيخ، والتقنية قابلة للاستبدال، والمراجع تُحدَّث، أما العقل الذي تصقله الجامعة فيستمر عطاؤه لعقود. من هنا، لا تطلّ علينا “ملتقيات مشاريع التخرج” كفعالية طلابية تكميلية، بل تبرز كـ “لحظة الحقيقة” والقياس الفعلي لنجاح الاستثمار التعليمي. إن مشاريع الطلاب — لا سيما حين تتماس، مثلا، مع قضايا المدينة المنورة بعمقها الديني والثقافي والبيئي — تتحول إلى أدواتِ فهمٍ اجتماعيٍ رصين. فالطالب الذي يبحث في خدمة الحجاج، أو التراث العمراني، أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو الدراسات القرآنية، لا يؤدي واجباً أكاديمياً فحسب؛ بل يمارس دوراً معرفياً لا يمكن تفويضه؛ لأنه يمزج بين القرب الميداني والنزاهة العلمية. وحين نقرأ هذه الملتقيات في سياق “رؤية المملكة 2030”، ندرك أن الرهان الأكبر لا يرتكز على البنية التحتية وحدها، بل على “الإنسان السعودي”. والجامعة هنا ليست مجرد قاعة محاضرات، بل هي “مصنع للقدرة الوطنية”. وهنا تبرز “جامعة طيبة” بموقعها الاستثنائي، لتتحمل مسؤولية مضاعفة؛ فهي لا تُخرّج كفاءاتٍ لسوق العمل فحسب، بل تصدّر للعالم سفراء يحملون الهوية الحضارية لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالخريج هنا لا يحمل شهادةً ورقية، بل يحمل رسالةً ثقافية يعيد تقديمها للعالم بلغة العلم والإبداع. ختاماً: يخطئ من يظن أن ملتقى مشاريع التخرج هو “حفل وداع” لمرحلة دراسية، بل هو في الواقع “نقطة انطلاق”. هي اللحظة التي يتحول فيها الطالب من مستهلكٍ للمعرفة إلى منتجٍ لها، ومن متدربٍ إلى محترفٍ واعد. إن الجامعات الواعية لا تنظم معارض؛ بل تطلق استثماراتٍ بشرية عابرة للزمن. وما نشهده اليوم في جامعة طيبة يمثل نموذجاً حياً للجامعة التي ترى في طلابها ثروتها الأثمن. فالكنز الحقيقي لا يُحفظ في الخزائن، بل يقف شامخاً أمام لجنة التحكيم، يشرح فكرته بصوتٍ مفعمٍ بالحماس.. والمجتمعات الذكية هي التي تُحسن احتضان هذا الكنز قبل أن يتلقفه الآخرون. * الأستاذ المساعد في قسم الاتصال والإعلام- جامعة طيبة.