.

مسدس الضوء.

كان ذلك يومي الأول في المدرسة. دخلتُ الصف حاملًا على ظهري حقيبة جلدية تزيّنها صورة سيارة سباق من نوع فيراري. ظلّت الحقيبة معلقة على كتفي لزمن طويل؛ كانت تلازمني في ساحة المدرسة، وعند شباك حانوت المدرسة، وحتى حينما أجلس على رحلتي… الرحلة الأخيرة في الصف. كنتُ أجلس وحيدًا هناك، لا أحد خلفي سوى الجدار. ربما خمّنت معلمتي، التي نفتني إلى هناك، أن طوال القامة لا يحملون من الذكاء ما يُعوَّل عليه، فأبعدتني عنها، إذ لا حاجة بها إلى تلميذ ساهم صموت. حدث ذلك في درس الرياضيات. كانت المعلمة ترسم الرقم واحد على لوحة خشبية مطلية بالأسود، وتتوعد بعصبية، مشيرة بعصا خشبية طويلة، أنها ستعاقب من تسوّل له نفسه إحداث جلبة. فسقطت مبراتي ذات المرآة، وتدحرجت تحت الرحلة. ركعتُ أرضًا لألتقطها. كانت أرضية الصف تعلوها طبقة كثيفة من الغبار، وثمة أقلام صغيرة تآكلت من تكرار البري، وممحاة بثلاثة ألوان: أبيض وأزرق وأحمر. وأخيرًا… ها هي! التقطتُها، وارتفعتُ خارجًا كغواصة تطفو، وكأنني النوتيلوس في “عشرين ألف فرسخ تحت الماء” لجول فيرن. وحينما استقررتُ على مقعدي، كانت المعلمة تقف عندي. رمقتني شزرًا بادئ الأمر، ثم بدأت تزجر وتتوعد، وفي غضون ثوانٍ هبط كتاب الرياضيات على رأسي، إذ هوت به المعلمة بكل ما أوتيت من قوة عليّ. دارت معالم الصف من حولي، واختلطت أصوات التلاميذ مع صراخ المعلمة التي كانت لا تزال تتحدث عن لعبة الختيلان… لم أدرِ ماذا حدث بعدها. وحين فتحتُ عيني، كنتُ في غرفة المديرة، ممددًا على أريكة من طراز عتيق، وسيدة بدينة تحمل قدح ماء تقف عند رأسي، ومعلمتي على مبعدة خطوتين خلفها، وقد غاب الدم من وجنتيها حتى بدت كالأموات، على حد وصف أمي حين كانت تتحدث عن ذعر يعتري أحدهم. أمضيتُ ما تبقى من اليوم الدراسي على أريكة السيدة المديرة، وقبل أن ترن بنفسها جرس الانصراف، وضعت في يدي لوح شوكولاتة من نوع “نحلة”، وقالت: — لا تخبر ماما بما حدث يا صغيري. علّقتُ حقيبتي على ظهري وعدتُ إلى بيتنا أجرجر ساقيّ، ورأسي ينبض من الألم، وقلبي يطرق بشدة غضبًا من المعلمة التي لم تنتظر لتسمع حجتي! انتهى اليوم، فخلدتُ إلى سريري كعادتي. كنتُ أغالب النعاس حينما أفزعني صوت مسدس “حرب النجوم” الذي كان أخي يلهو به تلك الليلة. دخل أبي غرفتنا لحظتها، وتناول المسدس من كف أخي، ثم تركه على سطح الخزانة الخشبية التي تفصل بين سريرينا. تمنى لنا ليلة سعيدة، وأطفأ المصباح، وغادر. غفوتُ بعد ذلك بقليل… ثم… فتحتُ عيني… كان البيت مظلمًا، والهدوء يعم الأرجاء. نظرتُ إلى نفسي، فوجدتني بثياب المدرسة وحقيبتي على ظهري. لكن أين اختفت رسمة سيارة الفيراري التي كانت تزين حقيبتي؟ ومن أين أتت رسمة النوتيلوس؟ تناولتُ مسدس أخي، ومشيتُ خارجًا. كان باب بيتنا مفتوحًا… أيّ جنون كان هذا؟ من ترك الباب مشرعًا هكذا؟! غادرتُ المنزل… وحين وصلتُ إلى الشارع القريب من بيتنا، اكتشفتُ أنني كنتُ أرتدي خفّيّ المنزليين. شعرتُ بالخجل، لكنني لم أعد أدراجي لأنتعل حذائي. حثثتُ الخطى… عبرتُ جسرًا… قطعتُ غابةً… سمعتُ عواء ذئاب، ونباح كلاب، ومواء قطط، ونعيب بوم… كان الليل أكثر صخبًا مما تصورت. لاح لي من بعيد بيت صغير يشبه بيوت الساحرات في أفلام الرسوم. دنوتُ منه. عبرتُ البوابة إلى الحديقة عبر مرآب كانت تقف فيه سيارة “لادا” صفراء فاقعة اللون. وهناك استقبلتني سيدة بمنامة وردية عند عريشة عنب. استللتُ مسدس الضوء الشبيه بسلاح مارك هاميل في “حرب النجوم”، وضغطتُ الزناد، فانطلق من مسدسي شعاع بلون أخضر أصاب قلب السيدة. فالتفتت ناظرة إليّ… كانت معلمتي. ألقيتُ المسدس أرضًا وولّيتُ هاربًا، بينما كانت المعلمة ترتعد تحت تأثير إشعاع مسدسي. ركضتُ بكل ما أوتيتُ من سرعة… ركضتُ ولم أصل. لماذا صارت البوابة بعيدة إلى هذا الحد؟ فتحتُ عيني… كنتُ في سريري. كان مجرد حلم. عدتُ إلى النوم… دون كوابيس هذه المرة. وفي الصباح أيقظتني أمي. تفقدتُ سطح الخزانة… لم يكن مسدس الضوء هناك. أفطرتُ ومضيتُ في طريقي إلى المدرسة. وحين وصلتُ، كان هناك هرج ومرج عند الباب. كان التلاميذ يغادرون إلى بيوتهم. تقدمني أخي ليستعلم الأمر. فوصلني صوت المديرة: — المدرسة في حالة حداد، لا دوام لهذا اليوم… لقد ماتت معلمة الصف الأول. قال صوت متعجب: — كيف؟ ومتى؟! — صعق كهربائي ليلة أمس… ولا نزال منذ ذلك اليوم نبحث عن مسدس “حرب النجوم”، ولم نجده حتى يومنا هذا. * طبيبة وكاتبة وروائية من العراق