(١) شموخ نساء حائل اللواتي لا يرحلن في ذاكرة المدن وجوهٌ لا تغيب، وإن غابت ملامحها عن الصور، واندثرت بيوتها الطينية، وسكتت الأزقة التي كانت تعرف خطاها. وجوهٌ لا تدخل التاريخ من أبوابه العالية، ولا تذكرها الصحف في صدر صفحاتها، لكنها تقيم في القلوب إقامة الضوء في الفجر، والماء في الظمأ، والدعاء في صدور العابرين. ومن هذه الوجوه المضيئة تطل نورة العقيل، تلك المرأة الحائلية العجوز التي بقيت بعد أكثر من ستين عاماً حيةً في وجدان طفلٍ كبر، فإذا به يكتب عنها كما يكتب الإنسان عن أمومة المكان، وعن الطهر الأول، وعن زمنٍ كان فقيراً في أشيائه، غنياً بأرواحه. كانت نورة تسكن بيتاً صغيراً، لا يكاد يتسع إلا لغرفتين ومطبخ وقبة متواضعة، ولكن ذلك البيت الضيق كان أوسع من كثيرٍ من البيوت الكبيرة؛ لأنه اتسع للعطاشى، ولأهل السوق، ولنداء الجار، ولحاجة الغريب. كان على بابها الخشبي الصغير سلسلة من حديد، لا تشبه السلاسل في معناها المعتاد؛ فهي لم تكن قيداً، بل جرس رحمة. إذا تحركت فتحت نورة الباب، ومدّت طاسة الماء البيضاء، نظيفةً باردةً من القِرَب، كأنها تمدّ للناس قطعة من قلبها لا مجرد إناء ماء. أي روحٍ تلك التي تحمل الماء على رأسها من مشرع سماح، وتقطع الطريق ذهاباً وإياباً مراتٍ في اليوم، لا لتملأ بيتها وحده، بل لتسقي سوقاً بأكمله؟ أي غنى كان يسكن قلب هذه المرأة الفقيرة، حتى جعلها تعطي كأنها تملك خزائن الأرض؟ وأي يقينٍ بالله كان يسكب في خطاها صبراً، وفي يديها سخاءً، وفي أيامها المتعبة معنى لا يموت؟ لم تكن نورة العقيل امرأة عابرة في حكاية قديمة؛ كانت درساً كاملاً في الكرم حين يكون الكرم ماءً، وفي الوفاء حين يكون الوفاء خدمةً صامتة، وفي البر حين ترعى أمها العجوز داخل ذلك البيت الصغير، وتعمل في صناعة الكليجا الحائلية بإتقان وأمانة، وتفتح بابها لمن طلب الشرب، لا تسأل عن اسمه ولا نسبه ولا مكانته. كانت تمارس الخير كما يتنفس الصالحون: بلا إعلان، بلا منّة، بلا انتظار لتصفيق الناس. وفي ذاكرة سعود المشعان، الطفل الذي رأى ووعى ودهش، بقيت تلك المرأة كأنها سرٌّ من أسرار الطفولة. رأى والده يطرق بابها ويقول: “أعطيني ماء يا خاله”، فتعجب الطفل وسأل. فجاءه الجواب البسيط العميق: “هي خالتي يا ولدي”. لم تكن الخؤولة هنا نسباً مكتوباً في السجلات بقدر ما كانت نسباً من المحبة والكرامة. فالمرأة التي تسقيك، وتؤوي عطشك، وتفتح لك بابها، تصبح قريبةً منك ولو لم تجمعك بها شجرة عائلة. هكذا كانت المجتمعات المتماسكة توسع معنى القرابة؛ فالجار خال، والعجوز أم، والسوق عائلة، والباب المفتوح ميثاق اجتماعي لا يحتاج إلى توقيع. ولم تكن نورة وحدها في تلك اللوحة الحائلية النبيلة؛ فقد مرّت في الرسالة أسماء ووجوه صنعت جمال الحياة اليومية ببساطتها. كان هناك صالح بن عبدالله الردادي، الرجل الكادح الصادق، صاحب الدكان القريب من مسجد عيسى، الذي جعل من الكسب الحلال شرفاً، ومن الأمانة رأس مال، ومن الرحمة بالبائسين عبادةً لا تنقطع. كان محدود الرزق، لكنه واسع اليد والقلب، يعطي وإن قلّ ما عنده، وتفيض من وجهه ملامح الجود، كأن الفقر لم يستطع أن يهزم نبل روحه. وهناك عبدالعزيز العنبري، وشارع المهوس، وسوق الصناع، ومشرع سماح، ومسجد عيسى؛ أسماء تتجاور في الذاكرة كما تتجاور البيوت القديمة، لتشكل خريطةً وجدانية لحائل قبل أكثر من ستين عاماً. كانت حائل في تلك الحكاية مدينة من طينٍ وكرامة. شوارع هادئة، بيوت متواضعة، نخلة هنا، شجرة برتقال هناك، سوق يعرف أهله، وجيران يعرفون حق الجوار. لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت ممتلئة بالمعنى. لم تكن البيوت كثيرة الأثاث، لكنها كانت عامرة بالعزة والعفاف. ولم تكن الأرزاق واسعة، لكن النفوس كانت أوسع من الرزق. كان الإنسان يرى الإنسان، ويسمع حاجته، ويحفظ وجهه، ويعدّ خدمته شرفاً لا عبئاً. ما الذي خسرناه حين كبرت المدن وصغرت العلاقات؟ حين ارتفعت الجدران، وانخفض صوت السؤال عن الجار؟ حين صار الماء يصل إلى البيوت بيسر، لكن أرواحاً كثيرة ظمئت إلى الحنان؟ هل التقدم أن نملك أكثر، أم أن نشعر أكثر؟ وهل الحضارة أن نبني مدناً شاهقة، أم أن نبقي في داخلها امرأة مثل نورة، ورجلاً مثل صالح، وطفلاً مثل سعود يتعلم من الموقف الصغير معنى الحياة الكبير؟ رحم الله نورة العقيل، ورحم أمها العجوز، ورحم صالح الردادي، ورحم أولئك الرجال والنساء الذين لم يتركوا ثرواتٍ تقاس بالأرقام، لكنهم تركوا ثروةً أعظم: ذاكرة نظيفة، وسيرة عطرة، ومجتمعاً كان يعرف أن الجار ليس رقماً في شارع، بل وجهٌ له حق، وقلبٌ له حرمة، وعطشٌ يجب أن يُروى. لقد غابت نورة، ولكن سلسلتها الصغيرة ما زالت تهتز في الذاكرة. كلما تحركت، انفتح باب قديم، وخرجت منه طاسة ماء بيضاء، لا تسقي الظمأ وحده، بل تسقي أرواحنا المتعبة من قسوة الزمن. وكأنها تقول لنا من بعيد: لا يكبر الإنسان بما يملك، بل بما يمنح؛ ولا يبقى في الدنيا من عاش لنفسه، بل من جعل من حياته ماءً للآخرين. فسلامٌ على نساء حائل القديمات، أمهات الجوار، وحارسات الرحمة، وصانعات الخبز والماء والكرامة. سلامٌ على تلك البيوت الصغيرة التي كانت أكبر من هذا العالم، لأنها كانت تعرف كيف تفتح أبوابها. وسلامٌ على سعود المشعان اذ حمل ذاكرة طفلٍ وفيّ، أعاد إلينا امرأةً عظيمة لم تكن تريد من الدنيا شيئاً، فإذا بها تأخذ من الخلود أجمله. (٢) امرأة من ماء الذاكرة وملح الوفاء ليست نورة العقيل مجرد امرأة عجوز مرّت في زقاقٍ قديم من أزقة حائل، ولا اسماً عابراً علق في ذاكرة طفلٍ كان يتعلم الحروف الأولى في الصف الثالث الابتدائي، إنها صورة كاملة لعالمٍ كان بسيطاً حتى حدود الفقر، عظيماً حتى حدود الأسطورة. امرأة تسكن بيتاً طينياً صغيراً لا يكاد يتسع لجسدين وبعض متاع الحياة، لكنه كان يتسع لسوقٍ كامل، ولعطش العابرين، ولقلوب الباعة، ولذاكرة طفل سيكبر يوماً ويكتشف أن بعض البشر لا يقاسون بما امتلكوا، بل بما منحوا. كانت نورة، في تلك الذاكرة، تشبه ماء القِرَب في صيف حائل، باردة على القلوب العطشى، منعشة للحناجر المبحوحة، عذبة في الروح، نادرة في زمانها، وباقية بعد رحيلها. لم تكن نوره العقيل تملك إلا القليل، لكنها كانت تعطي كما تعطي الغيوم حين لا تسأل الأرض عن نسبها ولا عن استحقاقها. أي سرٍّ هذا الذي يجعل امرأة فقيرة تحمل الماء على رأسها، وتمشي إلى المشرع في بئر سماح الشرقي مراتٍ ومرات، ثم تعود لتعلّق على بابها سلسلة من حديد، كأنها تقول للعطشى: حرّكوا هذا الصوت الصغير، يفتح لكم باب الرحمة؟ وينزل غيث السماء فضلاً من الله ورحمة، ومتاعاً إلى حين… (٣) جرس الرحمة في سوق الصناع على باب خشبي صغير كانت تتدلى سلسلة من أربع حلقات، لكنها في المعنى لم تكن حديداً، بل كانت وترَ إنسانيةٍ رقيقاً إذا اهتزّ أيقظ في البيت قلباً مستعداً للخدمة. كم من يدٍ عطشى حرّكت تلك الحلقات؟ وكم من عاملٍ كادح وقف عند الباب ينتظر طاسة الماء البيضاء النظيفة؟ وكم من دعوة صعدت من صدرٍ مبتلّ بالامتنان إلى السماء؟ ما أجمل أن يكون للإنسان بابٌ يعرفه الناس لا لأنه باب مالٍ أو جاهٍ أو سلطان، بل لأنه باب ماء. وما أندر أن يظل اسم امرأة في الذاكرة ستين عاماً لأنها سقت الناس، لا لأنها حكمتهم، ولا لأنها خطبت فيهم، ولا لأنها تركت وراءها عقاراً أو ذهباً. أليس هذا هو المجد الحقيقي؟ أن يتحول العمل الصغير إلى خلود، وأن تصير الطاسة البيضاء وثيقةً أخلاقية، وأن يصبح الماء البارد درساً في معنى الوجود؟ كانت نورة تؤمّن ماء الشرب لأهل السوق تطوعاً. لم تنتظر مؤسسة، ولم تطلب أجراً، ولم تكتب لافتة على بابها، ولم تُحصِ عدد المستفيدين. كانت تفعل الخير كما يتنفس الصالحون: بصمت، واستمرار، وطمأنينة. في زمانٍ لم تكن فيه المفردات الحديثة عن العمل التطوعي قد انتشرت، كانت نورة تمارس أصفى أشكاله، عملٌ بلا إعلان، وخدمة بلا منّة، وعطاءٌ لا يرى نفسه عظيماً لأنه خرج من روحٍ عظيمة. (٤) المرأة التي رأت الغنى في نفسها كان بيتها صغيراً جداً، وفقيراً جداً، وربما لا تتجاوز مساحته خمسين متراً، لكن الفقر هناك لم يكن خراباً داخلياً، ولا قسوةً على الآخرين، ولا سبباً للانكماش على الذات. لقد كانت نورة، كما تبدو في شهادة سعود المشعان، امرأة ترى الغنى في نفسها. وهذه عبارة لو تأملناها جيداً لوجدناها تختصر فلسفة كاملة في الحياة: أن يكون الإنسان غنياً من الداخل ولو خلا بيته من الزينة، وأن يكون عامراً بالله ولو ضاقت عليه الجدران، وأن يملك القدرة على العطاء ولو كان في ميزان الدنيا معدماً. أي فقرٍ هذا الذي لا يمنع صاحبه من الكرم؟ وأي غنى هذا الذي لا يثمر رحمة؟ وكم من بيوتٍ واسعة تضيق بأصحابها لأنها خلت من المعنى، وكم من بيوت طينية متداعية صغيرة صارت قصوراً في ذاكرة الناس لأنها امتلأت بالوفاء؟ كانت نورة ترعى أمها العجوز، وتصنع الكليجا الحائلية بهمة وإخلاص وأمانة، وتسقي السوق، وتدير بيتاً صغيراً، وتكابد الحياة بصبرٍ لا ضجيج فيه. إن المرأة هنا ليست هامشاً في حكاية المدينة، بل هي قصة حب نابضة بالمعنى تجدها في بيوت حائل التي إحتفت واحتمت بقلبها الأخلاقي الصامت من نكد الدنيا ومرارة الجوع. إنها تمثل ذلك الجيل الذي لم يكن يتحدث كثيراً عن القيم، لأنه كان يعيشها. لم يكن يشرح معنى البر، لأنه كان يحمل أمه في تفاصيل يومه. ولم يكن يعرّف معنى الكرامة، لأنه كان يصونها بالعمل والستر والعفاف. (٥) حين يلمس الصغير معنى الإنسان الكبير كان سعود المشعان طفلاً، والطفل لا يملك أدوات المؤرخ ولا لغة الفيلسوف، لكنه يملك صفاء العين الأولى. رأى المرأة، ورأى بابها، ورأى الماء، ورأى والده يطرق الباب قائلاً: “أعطيني ماء يا خاله”. هنا اشتعل الفضول في قلب الطفل. كيف تكون هذه العجوز خالة أبيه؟ أهي قرابة دم؟ أم قرابة روح؟ أم أن المجتمع القديم كان يوسع معنى القرابة حتى تصبح المرأة الصالحة خالة الجميع، والجار قريباً، والعابر مستحقاً للبر؟ حين أصر الأب قائلاً: “هي خالتي يا ولدي”، لم يكن يشرح نسباً بقدر ما كان يعلّم ابنه درساً في الأدب الاجتماعي. فالخؤولة هنا ليست شجرة عائلة فحسب، بل مقام احترام. كان الأب يريد أن يقول لطفله إن الناس لا يقاسون بأسمائهم في الوثائق، بل بمنازلهم في القلوب. وأن المرأة التي تسقيك، وتفتح لك بابها، وتحفظ عطشك، وتؤمنك في يومك، لها عليك حق القريب، بل حق الأم والخالة والجارة. لقد حمل سعود هذه اللحظة في ذاكرته عقوداً طويلة؛ وما الذاكرة إلا غربال عجيب، تسقط منه آلاف الوجوه وتبقى وجوه قليلة لأنها لمست فينا شيئاً لا يموت. بقيت نورة العقيل لأنها لم تكن حادثة، بل معنى. بقيت لأنها كانت جواباً مبكراً عن سؤالٍ سيكبر مع الطفل: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً؟