.

حياة متقاعد (6)

رجعت كمتقاعد إلى مكتبة ذكريات الطفولة التي أحمل. نفضت عنها غبار السنين التراكمي والانقطاع. تبددت العتمة بنور الاهتمام والشغف. تساءلت أي قرية هذه التي كنت شبلها؟ أي شبل كنت لهذه القرية؟ عثرت على سجلات ملهمة. أهمها سجل المهام. لم أجد في نظامها أي شيء بدون وظيفة ومهمة، وأيضا اسم. حتى كلاب القرية التي تعيش حولها، لها وظيفة ومهمة دون تكليف من أحد. حياة تبادل المنافع تسود دون إذن من أحد. قيمتك دوما في اتقان دورك الذي تقوم به. مهمة هذه الكلاب حراسة القرية ليلا من غزوات السباع. في النهار تجدها تغط في نوم عميق في بيئة القرية المحيطة، لا تسمع لها صوتا. تحتمي بتجاويف الصخور، وظلال الشجر الكثيف حولها، أيضا بين مغارس التين الشوكي الذي ينمو بغزارة حول بيوت القرية الحجرية. هذا موطن تكاثرها وحمايتها من الظروف المناخية القاسية. غادرت القرية حافي القدم، والفكر، والامكانيات، والمعرفة. خرجت من قبضة طقوس تضاريس حياتها المتقشفة، ونظمها الحازمة والصارمة. خرجت بأجنحة الأمل الواسعة. نسجتها وجيلي للخروج بحثا عن حياة أفضل. هربنا من أشغال شاقة يومية. هربنا لإنقاذ عقولنا من حياة الاستكانة. لكني بفخر.. خرجت أحمل قيمها العملية المفيدة. المزروعة بداخلي كالنقش في الحجر. خرجنا نحن أجيال (1-7) معوزين، وقبلها كنت قد عشت حياة أبي في رحلاته منها وإليها. يغادر بكثير من الآمال ويعود إليها بالمال والفخر. يعمل لإفراغ حمولة الحياة الأفضل. لكن مع بداية مشارف انتهاء هذه الحالة الأفضل يشد بحثا عن الأفضل من جديد. هكذا كان الحال.. حضور لشهر أو شهرين، ثم يعقبه غياب يستغرق أعواما. هكذا كان أبي يحرث الزمان حتى نهاية عام (1971). حيث شدينا الرحال العظيم. خرجنا نحو حياة جديدة دون عودة. استغرق غيابي عقودا. جرفتني أمواج بحر التطلعات بعيدا عنها. امتد الغياب لأكثر من ربع قرن. حصلت فيها على منافع جمة. أكثرها منفعة حصول “عقلي” على إجازة مهنة (الدكتوراة). بعد هذه الإجازة العلمية رفيعة المقام والشأن كإنجاز دولة وعطاء علم، رجعت إلى قريتي مباشرة. اعتبرت الدكتوراه “ريشا” يمكن أن أتشارك فرحته معها. خرجت منها بلا ريش من العلم والمعرفة، ما جعلني أردد حكمة (علي ولد زايد): [عز القبيلي بلاده.. ولو تجرع وباها.. يشد منها بلا ريش.. واذا اكتسى ريش جاها]. المفاجأة كانت صدمة تاريخية. سأظل أتجرع مرارتها مدى الحياة. لم أجد القرية التي كنت أعرف. وجدت أطلالا تنبئ بوجود قرية كانت بشأن وبناس أحياء، وبشركاء حياة لم يعد لهم أي وجود. رباه ماذا حصل؟ يمكن الاسترسال في سرد نتائج هذا الصدمة لأكتب مشاعري العميقة المؤلمة. عملت على كبتها رأفة بنفسي. عزائي يتعاظم عندما أتذكر بأنني بقيت أحمل الرسالة العظيمة لهذه القرية التي ماتت في غيابي. نحن المتقاعدون جيل (1-7) طمسنا القرية وحياتها دون قصد. أنهينا رسالتها وتاريخها ودورها بسبب البحث عن الأفضل. نعم.. كان الخروج من القرية ثورة إيجابية غيرت مجرى حياتنا. عزائي أننا نجحنا وحققنا هذا الأفضل. لكن خسرنا خبرات قرون حافظت فيه القرية على بقائها في أحلك الظروف قساوة وصعوبة وتحدي. لكل شيء نهاية وإن طال الزمن. mgh7m@yahoo.com