أن ترى الجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة، وتملك القدرة على تحويل فكرة ولدت عابرة إلى مجسم فني ينبض بالقصص والرموز.. تلك هي الروح الإبداعية الفذة التي يتحرك بها الفنان التشكيلي السعودي عبد الرحمن الزاحم، الشهير بلقب “السريالي”. فالزاحم، الذي عُرف في الأوساط الفنية بأسلوبه البصري الفريد وقدرته العالية على دمج الواقع بالخيال، يرتكز خطه الفني على تطويع الخامات الطبيعية —لا سيما الأخشاب— لابتكار منحوتات تحمل أبعاداً إنسانية وروحية عميقة. والنجاح الحقيقي بالنسبة له لا يقف عند حدود إنجاز قطة فريدة نالت إعجاب الكثيرين، بل يكمن في زرع البهجة والرضا في نفس صاحب المنشأ؛ فإسعاد الآخرين هو الوقود الحقيقي لابتكاره. هذا الفخر وُلد من رحم مصادفة عفوية تماماً أوقدت الشرارة الأولى لعمل استثنائي؛ إذ بدأت الحكاية بزيارة اعتيادية قام بها الزاحم لصديق في بيته. لفتت انتباههما شجرة “مورينقا” رابضة في زاوية المكان، حيث أبدى الصديق رغبته في تحويلها إلى مجسم جمالي. ويروي الفنان اللحظات الأولى قائلاً: “بعد أن قمنا بقص الشجرة وتهذيبها، استبقينا بعض الأغصان لنستلهم منها شكلاً مستقبلياً، وفجأة تراءت لنا الأغصان وكأنها هيئة يد بشريّة، ومن تلك اللفتة انهمرت الأفكار”. تطورت الفكرة من مجرد التفكير في صنع “أبجورة” أو مجسم بسيط، إلى قرار طموح بتجسيد كرة أرضية متكاملة عبر تطويع الأخشاب السويدية. انطلق الفريق في رحلة مضنية من تقصيص الخشب وتجميعه الدائري، تلتها مراحل الحفر الدقيق والتشكيل اليدوي باستخدام الأزميل والراوتر، في مجهود تطلب وقتاً طويلاً وعناية فائقة بأصغر التفاصيل. ولأن المنحوتة لم تكن مجرد تشكيل صامت، فقد ضخ فيها الزاحم فلسفته التي تدمج عناصر الهوية المحلية بالأفكار العميقة، مفسراً ذلك بقوله: “أدرجنا القلم في العمل كدلالة على منطلق التخطيط وبداية كل إنجاز، وجعلنا أسفل الغصن شريطاً سينمائياً يروي حكاية الكاميرا وتطورها، مطعماً بعناصر مستوحاة من بيئتنا المحلية كالنخلة الشامخة والبيوت الطينية القديمة، مما بث الروح والأصالة في جسد المنحوتة”. وفي ختام هذه المغامرة البصرية، تُوج هذا المزيج بلمسة روحانية تعكس السكينة وحضور الإيمان في تفاصيل العمل؛ حيث أضيفت المسبحة كرمز للذكر والتسبيح، ليكتمل هذا المشهد الفني البديع الذي تحول فيه غصن شجرة بسيط إلى تحفة فنية تثير الدهشة وتحكي تفاصيل الهوية والحياة بريشة وأزميل “السريالي”.