.

في بناء الإنسان الذي لا ينجرف.

ثمة سؤال يتكرر في أشكال مختلفة لماذا ينجرف الناس وراء حميات غذائية لا دليل عليها، أو أفكار متطرفة لا سند لها، أو تيارات فكرية تنهار بأدنى نقد؟ والإجابة المعتادة هي: «نقص الوعي» أو «غياب التفكير النقدي». لكن هذه الإجابة تصف الأعراض لا تشخّص الداء . الداء الحقيقي أن الإنسان المعاصر فقد المنظومة الداخلية التي تجعله يقف على رجليه وهذا ليس ضعفاً نفسياً فردياً بقدر ما هو نتاج منظومي لبيئات تُخرج أناساً مكشوفين لا محصّنين . من هنا ينطلقالسؤال الجدير بالبحث ـليس كيف نزيد الوعي ـ ، السؤال في ما الذي يمنح الإنسان ثقله الداخلي حتى لا ينجرف ؟. عاش الإنسان تاريخياً داخل منظومة: عائلة، وقبيلة، ومعتقد، وتراث. لم تكن هذه المنظومة قيداً بقدر ما كانت أرضاً يقف عليها. حين تعرض لأي فكرة دخيلة، كانت تمر عبر «فلتر ثقافي» طبيعي نابع من هذا السياق .ما فعلته العولمة الرقمية ظاهريا أنها أتاحت المعلومات، وفي الجانب الآخر انتزعت الإنسان من سياقه ورمت به في فضاء بلا أرض. إنسان بلا سياق ،كإنسان بلا جاذبية: أي ريح تحمله . المشكلة لا تُحل بالعزل ورفض الانفتاح، ولا بالحنين إلى زمن مضى. المشكلة تُحل بإعادة بناء الجذور ـ لا كماضٍ يُقلَّد، بل كأساس يُبنى عليه . حين يكون الإنسان في حالة قلق أو خوف مستمر يتراجع عنده التفكير النقدي والمحاكمة ويتقدم الجهاز الطرفي المسؤول عن ردود الفعل الغريزية. وهذا يعني أن الإنسان القلق لا يبحث عن الحقيقة ؛ يبحث عن الراحة من القلق .هنا تكمن جاذبية «الحلول السحرية»: الفكرة التي تعِد بيقين فوري، والحمية التي تعِد بصحة مطلقة والخطاب الذي يعِد بهوية واضحة في عالم ملتبس. كلها تبيع شيئاً واحداً: راحة من القلق. وما يجعل الإنسان عرضة لها حالته الانفعالية التي لا يستخدم بها عقله.التحصين هنا لا يكون بمزيد من المعلومات التي تُصبّ في عقل قلق، ولكن بمعالجة القلق نفسه حتى يستعيد العقل قدرته على الفرز . حين تتساوى الأصوات، يصبح المعيار هو الصوت الأعلى لا الأصدق. الفضاء الرقمي المفتوح لم يجعل المعرفة ديمقراطية بل أربك مرجعيتها. صار الهاوي الجذاب ينافس العالم الراسخ، لا بحجة بل بعدد المشاهدات .وفي غياب التراتبية، يلجأ الإنسان إلى معيار بديل: الكثرة. ما يتداوله الكثيرون يبدو حقيقياً. وهذا ما يُسميه علماء الاجتماع «الدليل الاجتماعي» وهو معيار قوي نفسياً، لكنه لا علاقة له بصحة الأفكار . التحصين الحقيقي ليس جداراً يحجب الإنسان عن العالم. الجدار يحجب لكنه لا يُقوّي. التحصين الحقيقي هو في بناء الإنسان من الداخل حتى يصبح قادراً على التعرض للأفكار دون الانجراف معها وهذا يقوم على ثلاثة أركان متشابكة لا متتالية: الركن الأول الطمأنينة قبل التفكير: الإنسان القلق لا يُفكّر ، يبحث عن راحة. لذا أول شرط للعقل الفاحص هو قلب مطمئن. الطمأنينة ليست ترفاً روحياً هو شرط معرفي. ومن هنا كان الذكر والصلة بالله ليس علاجاً نفسياً فحسب بل تهيئة للعقل كي يعمل. الركن الثاني المرجعية قبل الرأي: أن يعرف الإنسان إلى أين يرجع حين يتشكك. مرجعية راسخة ومعرفة بأهل الاختصاص، وثقة بأن الأمر يُردّ لمن يعلم لا لمن يصرخ. هذه المرجعية لا تلغي العقل وإنما تحرره من الضياع. الركن الثالث الهوية قبل الانتماء: أن يعرف الإنسان من هو قبل أن يبحث عمن ينتمي إليه. هويته الدينية والحضارية ليست قيداً بل أرضاً. وحين تكون الأرض صلبة، يمكن أن تمتد اليد وتأخذ من العالم دون أن تسقط . حين يقف الإنسان أمام فكرة جذابة تدّعي الخلاص، لا يحتاج في تلك اللحظة إلى محاضرة في نقد المعرفة يحتاج إلى شيء أبسط وأعمق: يحتاج إلى أن يكون من هو؟الإنسان الذي يعرف جذوره لا يحتاج إلى سور. والإنسان الذي روحه مطمئنة لا يركض وراء يقين مُستعار. والإنسان الذي يعرف مرجعيته لا تُزلزله ضجة الجموع. هذا هو التحصين الحقيقي: لا تلقيناً للمعلومات وإنما بناء للإنسان. ولا إغلاقاً للعالم وإنما تجذيراً في أرض صلبة تجعل الانفتاح فرصةً لا خطراً .