في كل مرة يُفتح فيها الحديث عن التراث العربي، ينقسم الناس إلى فريقين؛ فريق يراه مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه، وفريق آخر لا يرى فيه سوى عبءٍ ثقيل يحول بيننا وبين الحداثة، لكن الحقيقة، كما يبدو لي، أكثر تعقيدًا من هذا الانقسام الحاد؛ فالتراث ليس خيرًا خالصًا ولا شرًا مطلقًا، وليس كتلةً واحدة يمكن قبولها أو رفضها دفعةً واحدة، بل هو حصيلة قرونٍ طويلة من الاجتهادات والتراكمات البشرية، فيه ما يستحق أن يبقى، وفيه ما لم يعد يتجاوز كونه مادةً للتاريخ. ومن أبرز من تناول هذه الإشكالية الدكتور (زكي نجيب محمود) في كتابه «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري»، الذي سبق مشروع (محمد عابد الجابري) في نقد العقل العربي بنحو عقدٍ من الزمن، ويُعد (زكي نجيب محمود) أحد أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين؛ إذ كرّس مشروعه الفكري للدعوة إلى إعمال العقل، وتجديد الفكر العربي، وإعادة قراءة التراث بمنهج نقدي يوازن بين الأصالة ومتطلبات العصر.،وفي هذا الكتاب لا يتعامل مع التراث بوصفه كتلةً واحدة تُقبل أو تُرفض، بل يميّز بين ما يقوم على البرهان والعقل، وما يستند إلى الخرافة أو التسليم غير النقدي، ومن خلال استعراضه لعدد من المدارس الفكرية والشخصيات المؤثرة في التاريخ الإسلامي، يفتح بابًا للتأمل في كيفية تشكّل العقل العربي، ويطرح سؤالًا جوهريًا هو ماذا ينبغي أن نأخذ من تراثنا، وماذا ينبغي أن نترك؟ وقد استلهم المؤلف البناء الرمزي للكتاب من «مشكاة الأنوار» عند أبي حامد الغزالي، فجعل منه سلّمًا تتدرج عبره مستويات الوعي والتحولات الفكرية في التراث العربي. وكان الهم الأكبر، والهاجس الحاضر في كل صفحة من صفحات الكتاب، هو التساؤل عمّا إذا كان في تراثنا ما يستحق أن يُحمل إلى الحاضر، وما ينبغي أن يُترك شاهدًا على مرحلة تجاوزها العقل العربي والإنساني، ولا يدعو الدكتور (زكي نجيب محمود) في كتابه إلى القطيعة مع الماضي، كما لا يدعو إلى تقديسه، بل يحرص في كل فصل على أن يعلّم القارئ كيف يقرأ التراث قبل أن يحدد له ماذا يقرأ، فمشكلتنا، في نظره، لا تكمن في التراث ذاته، بل في طريقة تعاملنا معه؛ حين نخلط بين ما هو تاريخي، وما لا يزال صالحًا للإفادة، وبين ما كان اجتهادًا بشريًا ثم تحوّل في نظر كثيرين إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. وتأتي رمزية تقسيم الكتاب وفق «مشكاة الأنوار» أشبه برحلة داخل العقل العربي، ينتقل فيها المؤلف من حركة الترجمة والنقل، إلى المعتزلة، ثم إلى الأدب واللغة والمنطق والفلسفة، متتبعًا الظروف التاريخية التي صنعت هذه اللحظات الفكرية، ومع التقدم في القراءة يتغير إيقاع الكتاب؛ إذ تبدأ صفحاته الأولى بنبرة الباحث الهادئ، ثم يكتشف القارئ تدريجيًا أن وراء هذا الهدوء قلقًا عميقًا، حتى تبدو الفصول الأخيرة وكأنها تناقش أثر تلك الأفكار في حاضرنا أكثر مما تناقشها في ماضيها. ويخلص المؤلف إلى أن ما ينبغي أن يبقى من التراث هو كل ما يوسّع أفق العقل، ويغرس قيمة السؤال، ويؤسس للعدل والإبداع والكرامة الإنسانية، أما ما قام على التكفير، والتمييز بين البشر، وإقصاء المرأة، وتعطيل العقل لصالح النقل الأعمى، فلا يملك مبررًا للاستمرار. فاحترام التاريخ لا يعني تكرار أخطائه، ولا ينبغي أن يتحول التراث إلى سجن للعقل، بل إلى نقطة انطلاق نحو حضارة جديدة تبدأ منه ولا تنتهي إليه. وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نجعله متحفًا مغلقًا نعيش داخله، أو ساحة صراع لا تنتهي، بينما نحن أحوج ما نكون إلى قراءة واعية تحرر الإنسان ولا تستعبده. ولعل أكثر ما يلفت في قراءة زكي نجيب محمود أنه لا يحاكم الأشخاص بقدر ما يحاكم المناهج. فهو يرى في المعتزلة الوجه الأكثر إشراقًا للعقل العربي؛ لأنهم جعلوا العقل وسيلة لفهم النص، وربطوا الإيمان بالتفكير لا بالتسليم الأعمى. وفي المقابل، يقف عند أبي حامد الغزالي بوصفه أحد أعظم العقول الإسلامية، لكنه يرى أن تغليب الحدس والكشف على البرهان، بعد تمكنه من المنطق والفلسفة، مثّل ترددًا بين سلطان العقل وسلطان الموروث. أما ابن رشد فيمثل النموذج الذي دافع عن العقل حتى النهاية، مؤمنًا بأن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة، وأن النص الصحيح لا يخشى البرهان، بل يلتقي معه. ومن خلال هذا التباين لا يدعو المؤلف إلى الانحياز للأشخاص، بل إلى الانحياز للمنهج. تنقل الكاتب خلال سردة ما بين الكثير من العقول العربية المهمة كالجاحظ والمعري و علماء اللغة كالخليل ابن احمد الفراهيدي، وعدد من الفلاسفة و اصحاب الفكر الذين صعب علي سرد الفصول الخاصة بهم في مقال واحد، كما يستعرض ثلاثة نماذج فكرية تكشف امتزاج المعقول باللامعقول في تراثنا. فيبدأ بإخوان الصفا الذين جمعوا بين الرياضيات والفلك والفلسفة من جهة، والتنجيم والسحر والعلوم الباطنية من جهة أخرى، فاختلط في مشروعهم العقل بالخرافة. ثم ينتقل إلى المعتزلة بوصفهم التجربة الأبرز في الانتصار للعقل، قبل أن يناقش المتصوفة الذين، على الرغم من عمق تجربتهم الروحية، قدّموا الذوق والكشف والإلهام على البرهان العقلي، مما جعل كثيرًا من أفكارهم تنتمي – في نظره – إلى دائرة اللامعقول أكثر من انتمائها إلى المنهج العلمي. وأثناء قراءتي للكتاب، شعرت أن زكي نجيب محمود يكتب أحيانًا بغضب، وأحيانًا بخيبة، ولا سيما حين يتناول الغزالي؛ فهو يشيد بعلمه وذكائه ومكانته، لكنه يتوقف عند التحول الذي طرأ على مشروعه الفكري، حين غلب التجربة الصوفية على البرهان العقلي، وما ترتب على ذلك من تراجع الثقة بالعقل واتساع الفجوة بين الفكر والممارسة. كما ينتقد رسائل إخوان الصفا لأنهم مزجو ما بين الفلسفة والرياضيات والتنجيم والسحر، فغاب التمييز بين الوهم والبرهان، أما حديثه عن المتصوفة في خاتمة الكتاب، فيُعد من أكثر مواضعه إثارة للجدل؛ إذ يرى أن التجليات الصوفية قد تكون تجربة أدبية أو شعرية ثرية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن العقل أو حجة معرفية قاطعة. استغرقت قراءة الكتاب قرابة شهرين، ورغم أن موضوعه شائك، فإن لغته جاءت سلسة وممتعة، وأدركت في نهايته أن زكي نجيب محمود لم يكن يخوض معركة مع الغزالي أو إخوان الصفا أو المتصوفة، بقدر ما كان يخوض معركة مع ذلك الميل الإنساني القديم إلى الاطمئنان للإجابات السهلة، كان يخشى أن يتراجع السؤال أمام اليقين، وأن يصبح التسليم فضيلة حتى في المواضع التي لا يكتمل فيها البرهان، فالنهضة لا تبدأ إلا حين يقرأ التراث بعقول مفتوحة، فننقذ منه ما يزال حيًا، ونودّع ما مات منه دون خوف أو شعور بالذنب، وربما لهذا السبب لا أجد نفسي مضطرة إلى الاتفاق مع كل ما انتهى إليه المؤلف؛ فمن حق القارئ أن يناقشه، وأن يختلف معه، وأن يعيد النظر في بعض أحكامه، بل لعل هذا هو الوفاء الحقيقي لفكر زكي نجيب محمود؛ لأنه كان يدافع عن حق العقل في أن يسأل، لا عن حق الأفكار في أن تُحصَّن من السؤال، فالتراث لا يظل حيًّا لأنه قديم، بل لأنه قادر على أن يدخل في حوارٍ دائم مع الحاضر، وما يبقى من الأمم ليس ما تحفظه في ذاكرتها فحسب، بل ما تملك الشجاعة لإعادة التفكير فيه كلما تغيّر الزمن.