د. مسعودة قربان،، والذاتية الفنية ..

من النقش النجدي إلى الرؤية المعاصرة .

ان لكل صورة عظيمة يجب ان تُرينا شيئا نُبصره بالعين، مع شيء نُدركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة، لأن الفنان، بغير البصيرة الغنية بالخيال، إنما يَرسم سطوحا قد تكون صورة بارعة سليمة من كل خطأ، مشحونة بأعنف العاطفة، وقد تحظى بالمدح والإعجاب، ولكنها تبقى رسماً سطحيا، وكذلك المتلقي الذي ينظر إلى الرسّم بدون الخيال، لن يرى إلا سطوحا، حتى لو نظر إلى الروائع، وكلما أزداد تأملا بالسطح قل فهمه لما هو كامن وراءه، لذلك فإن خير السبل إلى فهم الفن، هو المشاركة خياليًا، فما من فنان رسم لوحة رائعة إلا في ضوء الخيال، وهذا ما تتصف به (الدكتورة مسعودة قربان) والتي تتميز بالذاتية الفنية، مُحلقة في آفاق الخيال، وطرح الردّات والانفعالات، بكل تجلياتها ومظاهرها، وتعيش في اجوائها وفضاءاتها، وتستنطق سماتها وصفاتها، لما هو خافِ وكامن، وتبحث في زوايا دواخلها الكثير من شحنات الحس الإنساني والوجداني، ومزجها بمهارة وإِتْقَان، وطرحها بطابع مؤثر فاتن، على خطى الانطباعية الافتراضية الإيطالية، بالتأكيد على النظريات اللونية ودراسة بنية الشكل، بالتناسق والتناغم والشفافية الأنثوية الناعمة، لإعطاء التأثير البصري، للأشكال والألوان، والقدرة على ترتيب العناصر بطريقة «المورفولوجية»، نحو فن أكثر تميزا بنكهة محلية، تعتمد على نقل الواقع خاليا من الدقّة والتفاصيل، بطرق غير مألوفة، وجعل ما هو خلف العالم المرئي قابلا للرؤية، لإيجاد أسلوب مستنبط من الرؤية والانطباعات الحسية، وترك بصمة ملموسة فكريا وعاطفيا، والنكهة الخاصة، يعطيها روعتها وسحرها وجمالها، وفي (فن المينا) الذي يعتبر مجالها الأوسع، وميدانها الذي تصول وتجول فيه، بتَكْوِينات ماهرة، في توثيق الزخارف الشعبية والنقوش النجدية، بعناصرها الأساسية (الخط واللون والتكوين) باستعارات تأثيرية والرمزية البنائية، بطريقة «شامبليفيه» حيث يتم فيها حفر أو تفريغ تجويفات في سطح المعدن وملؤها بمسحوق الزجاج الملون وهو «المينا» ثم صهرها وتسخينها، ليخلق أسلوبا مميزا مستنبطا من التراث المحلي وربطه بالقيم الفنية الحديثة، يشع منه قيمة مادية ومعنوية، وبناء صياغات قائمة على التزاوج الحضاري، لشكل التراث ونقوشاته وريازاته، واستلهام خصائصه وفق رؤية عصرية، لأنه جزء من ميراث ثقافي، فالفكرة هنا سيدة الموقف وكمن يتنازل عن السيطرة الذهنية من أجل سيطرة أخرى، لأن للمحتوى الكامن في تجربتها له أثر في النفس، كأثر الخير، لأن تجربتها خيرة دائما، لإثارة رؤية الذهن فوق رؤية البصر، وهي الخاصية في العمق الذي تتصف بها، وتبلج تلك التكوينات وتتلألأ بين ثناياها، كالكواكب في فضاء السماء لا تعبأ بأشعة الشمس أو يوقفها حدود مسربلة، في سبيل التوثيق الثقافي وترسيخ تاريخه عبر العصور، وإعادة صياغتها بأسلوب يحمل دلالات فلسفية وجمالية عاطفية، يتبلور فيها الرؤية العميقة، في انسجام وتناغم وما تحملها من قيم فكرية ومشاعر انسانية، تخفي خلفها دوافع مكنونة بكل صورها وفلسفتها وأسرارها، بين الفكرة ورؤية البصر والبصيرة، لإيصالها للمَشاهد بصدق، لأن الفن في مفهومها تجسيد للمشاعر والأحاسيس، الذي يعطي روعته ودهشته، ويمنحه السحر والجمال، وهذه هي اسمى غايات الفن، والدكتورة مسعودة قربان، أستاذ أشغال المعادن تخصص فن المينا، في جامعة الملك سعود، شاركت في اكثر من50 معرضا محليا وخارجيا، وحصلت على العديد من الجوائز، أهمها، جائزة السعفة الفضية من ملتقى الفنون البصرية في الدوحة.