القليل من الشوكولاتة… والكثير من الحبّ.
حين نستعيد طفولتنا، لا نتذكر عدد قطع الشوكولاتة التي حصلنا عليها، ولا أنواع الألعاب التي امتلكناها، بقدر ما نتذكر الأيدي التي امتدت إلينا بحنان، والقلوب التي أحاطتنا بالأمان، وفي مقدمة تلك الذكريات تقف الجدات؛ كائنات من دفءٍ خالص، يعرفن كيف يصنعن من التفاصيل الصغيرة حياةً كاملة من المحبة. كانت الجدة تدرك، بفطرتها التي سبقت كتب التربية الحديثة، أنّ الطفل لا يحتاج إلى كلّ ما يطلبه، بل إلى من يحبه وهو يطلب؛ لذلك كانت تمنحنا قطعة شوكولاتة صغيرة، ثم تغمرنا بفيضٍ من الاهتمام يفوق قيمتها آلاف المرات، كانت تعرف أنّ الحبّ لا يُقاس بما يُعطى، بل بالطريقة التي يُعطى بها. في زمننا الحاضر أصبح كثير من الأطفال يحصلون على كل ما يشتهون -تقريبًا-؛ ألعاب أكثر، وحلويات أكثر، وخيارات لا تنتهي. لكنّ شيئًا ما ظل نادرًا رغم الوفرة؛ ذلك الشعور العميق بأن هناك شخصًا يفرح لفرحك، ويحزن لحزنك، ويراك أجمل مما أنت عليه ذلك الشعور كانت الجدات يتقنه ببراعة عجيبة. الجدة لا تسأل عن درجاتنا بقدر ما تسأل عن ملامح وجوهنا؛ تلاحظ الحزن قبل أن ننطق به، والتعب قبل أن نعترف به. كانت تملك قدرة فريدة على تحويل الأشياء العادية إلى ذكريات استثنائية؛ فجلسة قصيرة بجوارها قد تصبح ذكرى تبقى عشرات السنين، وكوب شاي أو قطعة خبز ساخنة قد يتحولان إلى رمز للأمان كلما تقدم بنا العمر. و أجمل ما في علاقة الجدة بأحفادها أنها علاقة لا يحكمها التنافس ولا الشروط؛ فحبها يأتي صافياً، خالياً من الحسابات؛ فهي لا تنتظر مقابلاً، ولا تبحث عن مكافأة، يكفيها أن ترى أحفادها بخير لتشعر بأنها نالت نصيبها من السعادة. ومع مرور السنوات نكتشف أنّ ما كانت تمنحنا إياه لم يكن مجرد عطف عابر، بل نوعاً من الحكمة الصامتة فهي تعلمنا الصبر دون خطب طويلة، والكرم دون دروس نظرية، والرضا من خلال أسلوب حياتها البسيط، ومن بين تجاعيد وجهها كانت تنبثق حكايات العمر وخبراته، فتغدو مدرسة كاملة تحمل اسم ( مدرسة السكينة) لهذا حين نتذكر الجدات لا نتذكر فقط الهدايا الصغيرة التي كن يقدمنها لنا، بل نتذكر ذلك الإحساس النادر بالطمأنينة، نتذكر البيوت التي كانت تتسع للجميع، والأدعية التي كانت تسبقنا إلى الطرقات، والقلوب التي كانت تفتح أبوابها قبل أن تفتح أبواب منازلها. لقد أعطتنا الجدات درسًا تربويًا عميقًا قد نحتاج إلى استعادته اليوم: ليس مطلوبًا منّا أن نمنح أطفالنا كلّ ما يريدون، بل أن نمنحهم ما هو أثمن من ذلك؛ حضورًا صادقًا، وإنصاتًا حقيقيًا، ووقتًا دافئًا يشعرون فيه أنهم محبوبون كما هم؛ ففي النهاية، لا يصنع الطفولة كثرة الشوكولاتة، ولا وفرة الهدايا، بل ذلك الشيء البسيط والعظيم الذي كانت الجدات يتقنه على نحوٍ فريد: القليل من الشوكولاتة… والكثير من الحبّ.