علي العنيزان ..

قصة رجل لم تغب فلسطين عن تفاصيل حياته.

قبل عشر سنوات، خرجتُ وفي يدي كاميرا الفيديو، برفقة الأستاذ والمؤرخ محمد القشعمي، لتسجيل حلقة جديدة من برنامج التاريخ الشفوي للمملكة، هذا البرنامج الذي تقدّمه مكتبة الملك فهد الوطنية كمبادرة رائدة تحسب لها، تعكس وعيها بأهمية توثيق الذاكرة الوطنية وحفظها من الضياع. وعادة في تلك الفترة كنا نسجّل حلقاتنا داخل الأستديو، غير أن هذه المرة كانت مختلفة، فالشخصية التي سنلتقيها من الشخصيات التي لم تأخذ حقها من التعريف والاهتمام، وقد آثرنا أن يكون اللقاء في منزله هذه المرة، بعدما بلغنا أنه خصّص جزءًا منه ليكون متحفًا صغيرًا يضم مقتنيات وذخائر نادرة استوقفتنا فكرة توثيقها في مكانها الأصلي. كان اللقاء مع الأستاذ علي محمد العنيزان -رحمه الله- في منزله، وسط أجواء يملؤها العبق والذكريات، بين مقتنيات وصور ووثائق تروي كل واحدة منها حكاية. جلسنا معه نستمع إلى حديثه الممتع الذي تنقّل بين قضايا شتى. وُلد في مدينة الرس عام 1369هـ، لأسرة تعود أصولها إلى “المنيع” من سكان عيون الجواء، وقد انتقل جده إلى البكيرية ثم عنيزة، حيث عمل جمّالاً يتنقل بالبضائع بين مدن القصيم، فلُقب بـ”العنيزان” لكثرة تردده عليها. أما جده الأقرب، فكان إمام مسجد ورجل علم، عُين لاحقاً ناظرًا للأمر بالمعروف في الرس، ومندوبًا للقاضي في لجان توزيع الأراضي. بدأت رحلته مع التعليم حين عمل والده مدرسًا في عفيف، ثم أكمل مراحله الدراسية في الرس. وفي تلك السنوات المبكرة، برزت ملامح وعيه القومي، إذ كتب وهو في المرحلة الابتدائية مقالاً عن “القومية العربية”، فنُشر له في مجلة “الإذاعة” ضمن باب “صوت الطلبة”. وفي الصف الثاني متوسط، عمل مترجمًا متطوعًا لأطباء باكستانيين في مستوصف الرس. انتقل عام 1385هـ إلى الرياض للدراسة في ثانوية اليمامة، وهناك اتسعت آفاقه واحتك بأجواء طلابية تعج بالنقاشات حول قضايا الوطن العربي، فترسّخ لديه إحساس عميق بالانتماء القومي، وبدأت القضية الفلسطينية تأخذ مكانها في وجدانه كجزء أصيل من تكوينه الفكري لازمه طوال حياته. امتد هذا الوعي معه إلى سنوات دراسته في الولايات المتحدة لنيل الماجستير في المحاسبة، حيث انخرط في محافل ولقاءات تعرّف من خلالها بالحقوق الفلسطينية وأسهم في التعريف بها. ولعل أكثر ما يكشف عمق ارتباطه الوجداني بالقضية ذلك التفصيل الإنساني اللافت في حياته؛ إذ تزوج عام 1977م ورُزق بخمسة أبناء، واختار أن يسمّي إحدى بناته “أنصار”، تيمنًا بمعتقل أنصار في جنوب لبنان، وسمّى الأخرى “صبرة”، في إشارة إلى أن القضية عنده كانت قناعة تُعاش وتُورَّث. مهنيًا، عمل في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية، ثم البنك السعودي البريطاني، قبل أن يؤسس مع شريكه عبد الله السويلم مكتبًا للمحاسبة القانونية استمر بنجاح ثلاثين عامًا، وراجع حسابات جهات كبرى كشركة الغاز. ومع تقاعده، تفرّغ لمشاريعه الفكرية، فانكبّ على إعداد كتابين؛ الأول عن التضليل الإعلامي في الحروب، والثاني عن مقاطعة المشروع الصهيوني ومناهضة التطبيع معه. وكان كثيرًا ما يستحضر محطات تاريخية فارقة كمؤتمر القمة العربي، وأحداث “أيلول الأسود” التي تزامنت مع رحيل جمال عبد الناصر. ولم يكن وفاؤه للقضية الفلسطينية عابرًا، فسرعان ما تجلّى ذلك بعد رحيله المفاجئ عام 2018م إثر حادث مروري أليم، حين بادرت السفارة الفلسطينية في الرياض إلى تكريمه في احتفالها بذكرى يوم الأرض. وتسلّمت عائلته “درع القدس” تخليدًا لذكراه، ولم يكد اسمه يغيب عن الأوساط الثقافية السعودية، إذ توالت كلمات الرثاء والتقدير من المثقفين الذين عرفوه عن قرب. غادرنا منزله ذلك اليوم، ولم نكن نعلم أنه سيكون من آخر اللقاءات التي توثّق سيرة هذا الرجل قبل رحيله. حملنا معنا سيرة رجل جمع بين الوعي الفكري والانتماء الصادق، وترك بصمته في التفاصيل الصغيرة التي لا تُنسى. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.