حكاية من داخل البيت ..

أبي الذي زرعَ فينا حُبَّ الفنون.

لا أستطيع أن ألخّص ما يزيد عن الأربعين سنة قضيتها في حضن ومحبة هذا الإنسان بكلمتين.. لكنها محاولةٌ بسيطة في الاستدعاء تتخللها وقفاتٌ لأبكي اشتياقاً. عن الأستاذ عبدالله والدي كان مدرساً ترتعد له فرائص الطلاب، كما كنت أسمع. لا يحتمل التهاون ولا الإهمال.. صارمٌ مع نفسه قبل الآخرين. هكذا كانت نظرة الناس له.. وكانت نظرتي أبعد ما تكون عن ذلك الوصف! كان ولا يزال يغمرنا بحنانه.. عطفه المتدفق على زوجته، أطفاله، أمه، أبيه، وإخوته كان لا يضاهى.. كان مضرب مثلٍ في التدليل الزائد.. حساسيّته ورقّة روحه صنعت الرجل الذي لا يتردّد صغيرٌ أو كبير في طلب المساعدة منه.. لم يخشَ الاستغلال وقدّم حسن الظن.. رجلٌ علّمنا المصداقية، الولاء، الغفران والتخطي.. نشأتُ في قريتنا في الأحساء محاطة بأعمامي وأخوالي.. كبرتُ في قريةٍ فيها الجميع يعرف بعضهم البعض.. ومع ذلك لم أعرف عن رجلٍ بطيبة أبي.. للأسف لم يعلّمني أبي قيادة الدراجة.. ولا إصلاح أنبوب مكسورٍ تحت المغسلة.. لم يكن ككلّ الآباء يعبث بالسيارات أو يقضي وقته خارج البيت! هو الأب الذي زرع فينا حبّ الفنون كلها.. ما عرفته إلا جامعاً للجواهر من مختلف الأطياف بتأنٍّ .. إنْ كانت أغاني فوزي محسون، جوليا بطرس، عبدالحليم حافظ أو سعدون جابر.. يعلق صور جميلة بوحيرد وكاريكاتير حنظلة بجانب بوستر لوحةٍ من عبدالرحمن السليمان أو لوحة نحاسية من عمو مفرح عليبة صديقه الفنان ومعلّم التربية الفنية.. كنت أراه مسافراً إلى مكتبات القاهرة في العطل الصيفية أيام الثمانينات والتسعينات ويعود كل مرة بحقيبة لكتبه وحقيبة أخرى مليئة بالألعاب والهدايا! يأتي بكتب الأطفال المختلفة أو المترجمة ويتركها للاستكشاف.. لم يجبر أحداً منا على القراءة لكننا التقطناها بالتقليد! زرع فينا حب اللغة وجذورها .. ذاكرتي تعيدني إلى تباهيه بقدرتي على قراءة قصة كاملة وأنا في سن الثالثة وابن عمي في السنوات الابتدائية الأولى لم يستطع.. يأتي بي ليثبت أن موقع الهمزة شأنٌ بسيط تستطيع ابنته الصغيرة تولّيه.. رمى بي في دوامة القراءة والكتابة وبكل استسلام سبحت في محيطه وأحببتُ عالمه. أقيمُ في كندا منذ سنوات.. يبعث لي قوائم طلبيات الكتب من “النيل والفرات”، وأبعث له طلباتي بكل خجلٍ ليرسل لي مقترحاته لأقتنيها.. إن كان هناك رابطا مميز بين الأبِ وكل طفل من أطفاله.. فهذا هو رابطنا.. هذه شهادةٌ مجروحة عن أبٍ ربّانا على الفرح تحت جناحيه.. وهو في كل الأوقات الملجأ من قسوة العالم! “أحبك يا بابا”! ————— *استشارية طب الأورام، وفنانة تشكيلية. مقيمة في كندا