.

عبد الله السفر، “نوْخذة” قصيدتنا النثريّة .

من أراد أن يقرأ سيرة القصيدة الجديدة في السعودية، وعلى الأخص قصيدة النثر، فإن عليه أن يلاحق كتب ومقالات وحوارات كاتبين في ساحتنا الأدبية، أولهما: أ.د. سعد البازعي، وثانيهما: أ. عبد الله السفر. وبما أن هذه الشهادة تختص بجهود السفر فإن الحديث سينحصر عنه. أظنني التقيت بالصديق عبد الله السفر، لأول مرة، هو والشاعر أبراهيم الحسين، في الأحساء بعد أمسية أدبية جرت في ١٩٨٧م وخصصت لنصوص الشاعر “المعتزل” محمد عبيد الحربي، وشارك فيها د. محمد الشنطي ود. سعد البازعي ود. سعيد السريحي، رحمه الله، وبعد تعليقات سريعة حول تلك الندوة، قدم لي نصوصاً لأحمد الملا وإبراهيم الحسين لنشرها في ملحق “اليوم الثقافي” الذي كنت محرراً فيه. لكنه منذ انتقاله لاحقاً من الأحساء إلى الظهران، أصبح السفر “النوخذة” الذي يجتذب مركبه شُداة قصيدة النثر، وكتاب السرد الجديد، ويستقبل الطامحين إلى كتابة جديدة من مدن المملكة، ولم يكن يبخل بمكتبته الشخصية، وعلاقاته الواسعة، وروحه الخصبة على كل من يبحث عنها. جرت السنوات، لنلتقي عام ٢٠٠٥م، من أجل إصدار مجلة “دارين” بطلب من إدارة نادي الشرقية الأدبي، وانضم إلينا الشاعرين غسان الخنيزي وعبد الوهاب أبو زيد. اجتمعنا لنصنع خلطة ثقافية وفنية تتقاطع فيها النصوص الأدبية بالحوارات بالفنون التشكيلية بالاستطلاعات المكانية بمراجعات الكتب، ولم تزد الأعداد التي أنجزناها عن سبعة أعداد، لكنها لاقت صدىً جميلاً لدى الوسط الأدبي المحلي بل والعربي. كان عبد الله السفر هو الرئة الحية التي استقطبت الأقلام، وتابعت حلقات إنتاج المجلة ونشرها، لكن “دارين” أسوة بأغلب دورياتنا الأدبية لم تجد مسوّقاً خبيراً، وانقطع الدعم المالي من إحدى الشركات المرموقة لأسباب لا محل لها هنا، وهكذا أغلقت أبوابها. القليل من تجد لديه الولع المتواصل بهذه الحرفة، حرفة الأدب والكتابة وصناعة المعنى، ولذا كان السفر يسافر في هذا الحقل وحيداً أو وسط مجموعة، بلا كلل، بل بشهوة المعرفة، وباندفاع يستكشف مختبرات الآخر وتبادل التجارب معه. كانت آلته الكتابية شديدة المرونة، وهي لم تتوقف عند المنتج المحلي بل غامرت لتقارب كتباً وتجارب عربية متنوعة، لا في الأدب فقط بل وامتدت إلى السينما وإلى كتابة الشذرات والتعليقات وإصدار الأنطولوجيات الشعرية. الولع لدى السفر هو الوقود الذي قاده إلى اكتشاف وجوه الحداثة وما بعدها، يصطفي من نتاجها ما يعمّد مشروعه، وينسى ما يراه زائلاً. مراجعات السفر النقدية حول النصوص، تتمرد على الدرس الأكاديمي المعهود، ولا تضبطها المسطرة المنهجية ذات القواعد وأحياناً المخالب.. إن شئت!. ومراجعاته على الأغلب اندماجاً في النص، أو كتابة حاضنة يفكك عبرها مغازي النصوص، ويتلافى إصدار أحكام قاصمة على الأعمال، بل يجهد لفتح نوافذها على القارئ. وهو لا يدعم بقاء الاجتهادات الهزيلة، إذ يشير في حوار معه إلى أن السياق الحضاري المعولم يلقي بظلاله على الأصوات الجديدة لذا ينبغي الحذر من انتفاء البصمة الشخصية وسيادة التشابه المشوّه. وهنا، تنبغي الإشارة إلى أن بعض النصوص ذات أبنية وتراكيب وجمل تختصم مع الذائقة التقليدية وخطابها الاستبدادي أحياناً، وهنا تكمن اجتهادات هذا الشاعر/ الناقد في تفكيك وتقريب ما تختزنه تلك النصوص من أسرار وإشارات وإيحاءات اجتماعية أو دلالية. هذه المغامرة النقدية الإبداعية التي نهض بها القلة، وبينهم عبدالله السفر، أسهمت كثيراً في دمج تلك الابداعات النثرية الغريبة في الحيّز الشعري العام، ومنحه فرصة التداول في بيئة شعرية كادت أن تكون حكراً على القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة لعقود. وكتاباته المنتظمة في هذا الحقل والتي جمعها في عدد من كتبه تستحق مكانة أفضل في مكتبتنا النقدية المحلية التي تعاني من فقر نقدي مزمن. لكن السؤال الذي لم أجد إجابته، هو أن السفر بدأ صوتاً شعرياً منفرداً ينسجم مع كوكبة التسعينيات، بمجموعته “يفتح النافذة ويرحل” عام ١٩٩٥م، والتي أعقبها في عام ٢٠٠٧م بمجموعته “جنازة الغريب” التي مزج فيها نصوصه الشعرية والسردية، لكنه انجرف منذ كتابه الأول بقوة نحو النقد والمراجعات والكتابة النصية المفتوحة، فهل آثر أن يعضّد موقعه النقدي على حساب مغامرته الإبداعية؟. عبدالله السفر قارئ حصيف ومثابر، ولعله أحد كتابنا القليلين ممن يتمتعون بروح تنظيمية عالية مكّنته من أن يكون صاحب إحاطة شعرية وقصصية بما كُتب في عقودنا الثلاثة الماضية، وهو يدمج كل ذلك في النسيج التاريخي والاجتماعي للحراك الأدبي المتواتر في مجتمعنا. خزينة السفر من الكتب والمتابعات المنتظمة يمكنها أن تكون تأريخاً للأصوات الأدبية التي انطلقت من تسعينيات القرن الماضي، وحتى راهن الكتابة اليوم. وهو تأريخ تبلور عبر كتبه: “اصطفاء الهواء” و”وسم الأيام” و”إيقاع التحول وقمر الارتياب” وغيرها. لن تجد السفر يتقدم الصف في منتدياتنا الثقافية، وبالكاد تسمعه معلّقاً أو محاضراً. إنه يكتفي بروحه اللاقطة، وعينيه المتأملتين في خفر، وبمجهر الاكتشاف الذي يقتنص به الشوارد الإبداعية الملهمة التي لا نلتفت إليها كثيراً في زحمة المنصات وضجيجها المضجر.