(١) هو يضيء القناديل في ليل الصعود إلى القصيدة, يقرب النهر إلى أفواه الكلمات كلما تباطأت أنفاسها من فرط التعب . يحنو على أغصانها, ولا يفزّع الطيرَ النائم على أوراقها. والظلال الوارفة هي السلالة التي تكاثرت في أحلامه قبل أن تصل إلى حقل أيامه في القصيدة. يشدُّ السهم عن آخره كلما عبرتها ريح تأتيها من ضجيج اللغة. يجمع الثمار في سلال الأصدقاء, وكلما نضج الكلام ذهبنا إلى القلب وأغلقنا الأبواب خلفنا والنوافذ. هكذا هو في ليل الصعود إلى القصيدة لا يخلع نعليه , ولا يترك قمصانه على الحافة كعلامة للنظرات البعيدة. هو فقط يصعد السلالم كمن يتسلل بخفة قدمين حافيتين إلى غرفته آخر الليل حاضنا أجمل امرأة دخلت حياته خلسة. هكذا هو القناديل لا تسقط من يديه ولا يخفت زيتها. ينثر العتمة كلما تجمعت في نقطة على جدار القصائد والأمكنة الباردة. يمسك طرف القصيدة ليعطيك الطرف الآخر منها. يعبر بلغته حقلا من الألغام ولا تنفجر يكتب كي يقول, وليس يقول كي يكتب قصيدته لا تقول أكثر مما تقوله حياته تعرف كيف تدلف إلى أبواب حياته السرية؟ الملاك الذي يفتح هذه الأبواب يملك حساسية مفرطة تجاه الأشياء التي يرصدها حساسية من فرط شفافيتها لا تشعر بالقصيدة وهي تعبر أرضك مثل شبح. قصيدته ترصد وتراقب وحينما تريد أن تقول تكتفي بما ينعكس في المرايا من شبهة القول. عبدلله يدخل إلى قصيدته كإنسان وليس كذاكرة فقط. عرفته هكذا بلا شوائب ,ولا أملاح زائدة , ولا عواصف تزلزل أبواب القصيد ، أو الإنسان الذي في دواخلنا جميعا. عبدالله الإنسان هو القصيدة ذاتها وقد تحولت إلى الحبل السري للصداقة. (٢) عبدالله السفر صفة النقد فيه أكبر من ارتباطها بالنص وأوسع من حدوده وجهاته ، ينظر إلى الحياة. داخل النص وخارجه ويبني جسورا من الإحساس الجمالي بينهما بضجيج أقل ومحبة أكبر. كل نص بالنسبة له صديق، يرعاه ، يسأل عن أحواله ، ويتعهد كل صغيرة وكبيرة في حياته تماما مثلما هو حاله مع أصدقائه الواقعيين حتى يبدو لك أن ذاكرته هو صراع دائم على احتلال منزلة المحب بين النصوص والأصدقاء. لكنه صراع يديره بإيقاع خافت ، يظهر على ملامح وجهه بنكتة عابرة ، أو ضحكة أو تعليق مختصر وكأن ما ينفلت من ذاكرته هو الماء حين يفيض متدفقا على حواف بئرها العميقة ، وفي كل حالته ، إذا ما تكلم ، يظل الماء متدفقا ولا يتوقف. لذلك دائما ما كنا نسميه أو نناديه – نحن أصدقاؤه- “ مولانا “ دلالة على هذا التدفق، وعلى هذا الحضور . هو الناقد الذي كان انحيازه المطلق إلى “ قصيدة النثر” هو في عمقه انحياز إلى الكتابة في تقلباتها على جمر الحياة، وكلما اشتدّت لسعات الجمر ، كلما كانت الكتابة طازجة ورائحتها مؤثرة على الحواس. وكان الرهان في كتاباته ومؤلفاته على هذا الانحياز لم يفض به إلى ما سواها من اهتمام وصراع وجدل وصراخ كما هو الحال في الكثير من المواقف النقدية في الساحة المحلية، لأن إيمانه العميق بالممكنات والذخائر التي تنطوي عليها مثل هكذا كتابة تحتاج إلى إصغاء عميق لا تطوّع فيها حاسة السمع فقط ، بل البصر والرائحة واللمس وكل طاقة الذهن ، حتى يمكنك الإمساك بالغريب القادم من جذور الأرض ، والساقط من عين السماء كدمعة. ولأنه كذلك فهو وحده الذي يمكن أن أسميه “ القارئ” بأل التعريف إذْ من بين النقاد جميعا استطاع أن يحوّل الصمت إزاء الوعي المضاد للكتابة الجديدة، إلى استراتيجية تساعده على النفاذ إلى النصوص وتدعوه إلى نفسها ببصيرة البدوي الذي تقوده تلك البصيرة إلى مساقط الماء في الصحراء. ولست ما أعنيه هنا بالصمت هو ضد الكلام ، لكنما هو الصمت الذي تظلله أشجار المحبة وتحميه من حرارة الشمس حتى تكبر أعشابه الصغيرة وتنسى أنها كانت صمتا، فالتوحد بين الصمت والمحبة هو الحساسية الشعرية التي تضع عبدالله مثل نسر على قمة الوعي الجمالي بنصوص قصيدة النثر وتحولاتها المتشعبة في المملكة والوطن العربي. لا يكف ( أبا سفر) منذ بواكير أصداراته لكتبه النقدية منذ “ اصطفاء الهواء والقصيدة الجديدة “٢٠١٠م نادي حائل – دار الانتشار ، إلى “ إيقاع التحول وقمر الارتياب “ دار كلمات ٢٠٢٠م ، وما بينهما من إصدارات أخرى عدا النصوص الإبداعية ، لا يكف في مقارباته السردية والشعرية أن يقول ما سكت عنه في نصوصه الإبداعية وكأن ثمة تراسل مضمر يشدّ التجربة إلى نفسها هذا أولا - بخلاف من يقول أن الرابط هو هيئة الكتابة على شكل مقالات لا أقل ولا أكثر- أما ثانيا وهو الأهم في ظني هو من فرط إحساسه بالحياة في عروق النص الذي يتناوله بحب وشغف فإن الحفاظ على هذا الإحساس وعدم تشويهه باللغة الجافة والمقولات الأكاديمية الجامدة هو الجانب الأكثر إضاءة في أسلوبه الشعري الذي يقارب به التجارب الإبداعية كواحد من القلائل الذين يمتازون به في الساحة . يقول في إحدى حواراته ( صحيفة اليوم) : “ كتابتي متأبية نافرة ، وليست سيالة ، لا تفرش سجادتها في سهولة، بل تخاتل وتراوغ ، وتحتاج من قائلها مكابدة وجهدا لبلوغ صفائها وانعتاقها “. هذه المكابدة التي يقول بها هي من جهة القارئ الملتقي الذي تكون مكابدته مضاعفة لأن الكثير من المتلقين للنص الحديث ، إذا افترضنا ذلك ، يفقد بوصلة دليله كلما استبدلها بالمعنى الجاهز في ذهنه ، وليست البوصلة سوى الخبرة في الممارسة النصية في التلقي. لكن من جهة القارئ الخبير هي المتعة واللذة التي يرتكبها كقارئ مثل الصديق عبدالله السفر .