لو مَدَّ (الخليجُ العربي) لسانَهُ عبر شاطئ (العقير) باتجاه الأحساء، فإنَّ أقربَ نخلةٍ سوف يتذوَّقها تقع في حقول قرية (الجِشَّة) التي خرج من رحمها الصديق والشاعر والناقد أ. (عبد الله السفر) الذي يحلو لي دائما أنْ أسمِّيه: (عرَّاب اللهب السرديّ الحديث) في المملكة العربية السعودية منذ تعارفنا إلى بعضنا في بداية تسعينات القرن الماضي، حيث انحرف الشعرُ انحرافا جميلا وخطيرا في آنٍ واحد، باتجاه القصيدة النثرية، وبرز جيلٌ كامل يحمل روحا تقويضيَّة لكلّ الأشكال الشعرية ما عدا النثري منها، كدلالةٍ على قتل (الأب الموزون المقفَّى) في ذلك الوقت؛ وقد نجح ذلك الجيلُ بلا شكّ في ترسيخ الشكل النثري في المشهد الشعري السعودي الذي وقع تحت هيمنة التنظيرات المبكرة لـ(أدونيس) في النص الحديث، و(أنسي الحاج) في ديوانه (لن)، ولاحقا في دواوين (عباس بيضون) و(بسام حجّار) وغيرهما من الأسماء التي اجترحت الكتابة الجديدة . الأستاذ عبد الله السفر كما عرفتُهُ في أكثر من ثلاثة عقود زمنية، هو ذلك الكائن المقطَّر تماما في مصفاة اللغة الشعرية عبر كل كتاباته، سواءً كانت شعرا أو نثرًا أو نقدا او دراسة، أو حتى كتابة صحافية؛ فلم أقرأ له قَطُّ نصًّا في كتاب، أو مقالا في جريدة لم يكنْ مُصَفًّى من كل شوائب الكتابة ونشازاتـها، وكأنه طفولةٌ لا يرقى إليها الشيب، وهذا الأمر جعلني أتساءل مع نفسي طويلا بخصوص شخصية الأستاذ (أبي سفر): هل لهذه الشخصية أبعادٌ خارج البُعد الشاعري، أم أنها حينما تكون خارج الشعر، تكون خارج التغطية البشرية تماما؟! إذن، لم يكن غريبا على شخصٍ لا يطلُّ على الناس إلا من شاشة الإبداع في وسط ثقافةٍ عربية تعتني بصناعة الرموز.. لم يكن غريبا عليه أن يصبح قامةً أبويَّة لأبناء جيله من المبدعين في الكتابة السردية التي كانت تشغل كلّ هواجسه، وتحتلّ كل أحلامه فلا نكاد نسأل شابًّا يكتب النصوص الحديثة عن مَثَلِهِ الأعلى أو أبيه الروحي، حتى يشير إلى الأستاذ عبد الله السفر الذي يقود مركبة هذه النار الموقدة. في أكثر من حوارٍ ثقافي لي مع الأستاذ عبد الله، اكتشفتُ أنه لا يقف على الضدّ من الشبكة الشعرية الإيقاعية والموزونة خليليًّا أو تفعيليًّا، ولكنه ذو ميول إلى اكتشافِ قُدرته وقُدرة الجيل الجديد على الحرث في الأراضي البكر من النثر العربي.. هذه الأراضي التي بقيت مهجورة زمنا طويلا، ولم تطأها إلا القليل من الأقدام، ولم تحرثها إلا الأقلّ من المحاريث. وأتذكَّر أنني حينما أهديتُهُ ديواني الشعري (ما وراءَ حنجرة المغنِّي) الذي كتبتُ فيه مقدَّمة نثرية طويلة ومطعَّمة بروحٍ فنيَّة، تناول الأستاذ عبد الله هذا الديوان، وكتبَ مقالةً في جريدة الوطن عن المقدَّمة النثرية فقط، ولم يتطرَّق إلى القصائد، دلالةً على أنَّ مغناطيسَ السرد هو الأقدر على جذبه إلى منطقة الكتابة. أصدر الأستاذ عبد الله كتابه الأوَّل (يفتح النافذة ويرحل) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 1995م، ضمن إصدارات عديدة عن هذه الدار للشعراء السعوديين في تلك الفترة عنوانا لانطلاق حركة حداثية جديدة في المشهد الثقافي في بالمملكة؛ وقد كان هذا الكتاب نثرًا فنيًّا في كلّ ما احتواه من مادّة إبداعية تراوح بين روح القصّ وروح الشعر، بحيث يصعب التصنيف، وكأننا أمام نصوص عابرة للأجناس الأدبية، وهي المنطقة التي تستقرّ فيها كتابات الأستاذ عبد الله دائما؛ وهذا بالضبط ينطبق على نصوص كتابه الثاني (جنازة الغريب) الصادر عن النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية. في هذا الكتاب (جنازة الغريب)، يحضر الحنين بكثافة وكأنه بوصلة السفر التي تشير إلى المنزل القديم، وإلى القرية (الجشّة) التي غادرها للعيش في مدينة (الـخُبَر)، وإلى الأصدقاء الذين يمثِّلون زمن الأيام الغضَّة في حياته، يقول من نصّ بعنوان (الجشّة.. هشيم المكان) حيث يلوذ بطمأنينة القرية من احتدام المدينة وضجيجها: “وين البلاد.. وين الديرة” ؟! انظرْ إليها: (جِشَّتُـ)ـك.. جُثَّتُك أو وحشتُكْ “وين البلاد.. وين الديرة” ؟! قلبُ القرية.. تلك البيوتُ الطينية المتماسكة المتعاضدة صوتُ الهاون وفي عمقه الهيل، يجوب أقصى “الفريج” والدخانُ يتصاعدُ أعلاما.. أحلاما تلتفُّ حول البيوت التي هي نحنُ! عِقدٌ تنظمُهُ فناجينُ القهوة وحبَّات التمر وسوالف التينة والسدرة والفسيلة التي كأصغر الأولاد. نكاد نشمُّ رائحة الحنين تنبثق من أعطافِ هذا النصّ، ومن ثنايا بقيَّة النصوص في هذا العمل الإبداعي (جنازة الغريب)، وكأنَّ الأستاذ عبد الله يحاول أن يتحرَّر من قبضة الزمن والمدينة التي انتقل إليها، وذلك من خلال استدعاء ذكريات القرية في كلِّ تفاصيلها الصغيرة، ومعايشتها على الورق حيث إِنَّ كثافةَ حضور الذكريات في النفس البشرية تُـمثِّل شكلا من أشكال الحياة في الحواسّ والمشاعر. بعد هذا الكتاب، واصل الأستاذ (أبو سفر) مشروعه بإخلاصٍ منقطع النظير، سواءً عبر القراءات النقدية أو الكتابات الإبداعية، فأصدر كتابه (اصطفاء الهواء) الذي يحتوي على تأملاته حول القصيدة الجديدة في المملكة؛ ثمَّ توالت الإصدارات: (حفرة الصحراء وسياج المدينة)، (يطيش بين يديه الاسم)، (دليل العائدين إلى الوحشة)، (يذهبون في الجلطة)، (وسم الأيام)، (يرمي قبَّعته على العالم ويغمض عينيه)... وغيرها من الكتب التي نكتشف من خلالها كيف كان الأستاذ (عبد الله) يجمع أصابع الكتابة في يده حتى اكتملتْ قبضته الفنيَّة عليها، وكيف استطاع أن يرسم طريقًا على خارطة القصيدة النثرية يرشدُنا إلى كنوز أسرارها كما ترشدُنا المقاماتُ الصوفية إلى كنوز العرفان، وكيف استحقَّ أنْ يكون مُرشِدًا أمينا دون أن تكون له وصايا على أحدٍ في مشهدنا الإبداعي حيث يحتشد المصطلون حول ناره الجميلة، ويتقاذفون جمر الأسئلة دون جوابٍ نـهائي.