النجوم كلها لليمامة أن تفرد هذا الملف الخاص عن “الكبير”، عبدالله السفّر.. وأسبق بخطّين تحت “الكبير”. الصفة، التي تُناوأ حينًا باحتراز الموضوعية، وما كلّ الصرامات صواب، وحينًا بالنفور من مذاق الكلمة الزائف، لمّا تأخد الخيول والصهيل لمنحدرات من ليسوا بالجديرين، بينما محلّها الفرادات والأعالي، وفي أكثر الأحايين تبدو كإلقاء التحايا، لشيوعها والتداول في أفواه الرفقة، رفقة المجال، وقت يعلّقون نياشينها على صدور الأيام ما بينهم.. وهذه حالية وودودة، والصداقات حمّالة. أمّا – والشهادة لله والتاريخ – فإنك حين تطلقها بحق عبدالله السفر فإنك ترفع هامتك، وتشعر باعتداد كلمة الحق، لا المجازفة. تقولها وأنت عليمٌ بما تحويه صفة “الكبير” من غائر معانيها فيه، وكم رَسْمُها كتفًا بكتف إلى جانب اسمه وشُغله، شاعرًا وقاصًّا وناقدًا، وشخصه قَبْلًا، لائقٌ وبهيّ! السابر الهادئ، يسترعيه لمع العقل والأفكار وتدبّر الدهر، عفيفًا عن العراكات والضغائن، محتميًا في حصنه من دواعي الضيق، من خنقة النّفْس والأنفاس، بعيدًا إلا من الضحك الذكي والمجالسات النظيفة. لا تفتّش عنه في السباق الفارغ ولا التطلعات الصغيرة يومًا، وهذه شيمة العارفين. تأملوا هذا؛ شخوصٌ بعينهم في بقاع العرب.. مثّل جزءٌ من مشاريعهم الانتباه المستمر للكلمات، وكأنما استحالوا مع مرور الوقت والتراكم إلى المراح الأرحب، الذي يراقب طلوع الزهر من جال، ويحفّز الركض واختبارات التجربة من جال. كان من أوضحهم جلاءً، الشاعر والناقد اليمني، الفذّ الراحل، د. عبدالعزيز المقالح، رحمه الله، بأجيالٍ كانت قد سجّلت انطلاقاتها الأولى بعلامته. وعبدالله السّفر أحد هؤلاء الندرة في بلادنا العزيزة، فالحساويّ العريق، يمضي في عقده السابع، وحقيبته ملأى بدفاتر التبشير بالمواهب. حتى حين انفضّ السامر عن تلك الحلبة وحسراتها، لم يتضعضع، بل مضى – ويكاد يكون معظم الوقت - منفردًا في مضمار مساءلة الإبداع ومشابكته، وعقد الآمال والمصابيح. لقد قرأنا معه ومن خلاله عن أسماء ما كنا لنعرفها لولاه، وأشك أن كاتبًا أو كاتبة، على طول الخارطة وعرضها لأحقاب، وعبدالله لم ينتبه له، لم يجادل نصّه بوقار العمق والحصافة! السّفر كما لو أنه مقالح شرقنا السعيد، مقالح البلاد! أما بشأن فنّه هو، فما عساي أقول! إنه الشاعر تمامًا، حتى وهو ينسج قصصه القصيرة. جَالِس كلماته وحدكما. تربّع على تربة صحن الدار بينها. سترى أطيافًا تخرج من “جنازة الغريب” و”يذهبون في الجلطة”، وربما لمحت عبارةً من كظيم أحزانه تتسلق الحائط: “انكسر المصباح، ولا مفتاح يدور في قفل الأيام”. أخيرًا؛ أجل، النجوم كلها لليمامة، وهي تقدّم واجب احترامها الرفيع، ونحن معها وبها، إلى عبدالله السفر!