حين سبقتنا “ اليمامة “ إلى فكرتنا المؤجلة ..

الظِل “العمومي” والعاطفة الأبوية بجناحين. 

•طعم الفتنة “ تمرُ عليه كلمةُ الفتنة، فيتذوّقُ تحت لسانه أعشاباً وفواكه وتوابل”،  هكذا يقول عبدالله السفر في مجموعته “ يطيش بين يديه الاسم” وهو كذلك أيضاً عندما يمر اسمه على قرّائه ومحبّيه وأصدقائه، يستطعمون لغته الخاصة وفكرته اللامعة سواء في النصوص أو المقالات.  وله الفتنة في ما يكتبه من “ شذرات”، تستقطر الشعر الخالص، وتختصر السرد والصور، في التقاط “ جُمّار” الفكرة الشعرية، لا اتباعاً للطريقة التي يكتبها “ الهايكو” في الموروث الياباني لكن بطريقته الخاصة.  له اختصاراته ولغته وعوالمه، وله التجربة - إن جازت التسمية- التي راكَم خلالها الكتابة بكل فضاءاتها، بهدوء الجمال أو الجمال الهادئ.  الجمال الحقيقي - بقناعتي- هو ما يتسرّب لأعيننا وقلوبنا بهدوء وانسياب،لأنّه الأبقى، أكثر مما يمرنا شهابٌ جميل خاطف.  هذا الهدوء؛ الهدوء المجبول عليه “ بوسفر” منحه صفتي التأمل والذهاب إلى العمق في الأشياء والأفكار والناس من حوله.  •اختزال المسافة بين الوجه والشبّاك “أحببتُ أن أضيء. جعلتُ الليلَ يتفاقم، فيما الهلاكُ يمعن في شحذ شفرته”  (يقول السفر، في نفس المجموعة)  معرفتي بعبدالله السفر، الصديق والشاعر والناقد، ذات جوانب متعددة، والصورة البانورامية عن شعره ومقالاته ودوره الثقافي في المملكة والمنطقة هي مجموعة أطياف، يصعب أن أجمعها في مقالة، لكني سأختار هذا الجانب الذي تفرّد به.  يرى العابرُ البعيد فائضَ الأبوية الظاهرة في عبدالله السفر، وفي الوقت نفسه يرى القريب منه هذي الرعاية الأبوية، لا يختلف في الحالتين، وهذا ما يؤكد صدقه وشفافية الحاجز المحيط بقلبه ومشاعره وأفكاره.  أينما كان، وحضر، يحمل هوية الأب الحاني، تفيض هذي العاطفة من جدران بيته، وتشمل أصدقاءه وجيل الشعراء الشباب في الساحة الثقافية السعودية وأبعد.  “أبوسفر” بالنسبة لنا- مجموعة “ الرحلة التالية” المقربين منه- ظلُّ نخلةٍ عالية، نبتت في أرض الأحساء وتفرّعَت سعفاتها في أرجاء بعيدة، كنّا نراه يرْصد ويقدّم كثيراً من الأسماء الأدبية والشعرية في المملكة والمنطقة متكّلفاً دوراً مؤسسياً، مَبنياً على حبٍّ وذكاء وموضوعية، ومتابعاً لكل من يتوسّم فيه التميز والانطلاق. يهيئ له المدخل للساحة والإشارة إلى نتاجه وتقديمه إلى حشد حفل القرّاء، وأذواقهم وتقييمهم للقادم الجديد.     بعد هذا كلّه، وبعد كل هذا المجهود المبذول بالحفل، عبدالله السفر يتحاشى كلمات الشكر والامتنان والثناء، عن تواضع وحياء حقيقيين، ويرد بكلمة، أو كلمتين، فإن زادت، فإنه يصل لدرجة أن “ تغرورق عيناه”،  فهو “ قريب الدمعة” رغم صلابته بالأمور الفكرية والحياتية والقناعات التي لا يغيرها إلا بأدلّة واقتناع.  •الزاد الثقافي الساخن، كل صباح يقول عبدالله  “ يمرّون كما ينفذون من ثقب، أو في فخٍّ يطبقُ على ريشِ مشاعرهم، فيتركُها دامية” (نفس المجموعة) ف لْنَحْكِ عنه أكثر…  أو عن أبسط أدواره وعطاءاته…  لعينيْ “ بوسفر” “جهاز سكينر” يمسح به كل صباح الصفحات الثقافية المحلية والعربية. باقة مختارات من نصوص ومقالات أدبية، يرسلها، يفتتح بها صباحات الأصدقاء بإيميلاته حتى صارت زادا يومية لا غنى عنه في متابعة الساحة الثقافية، وذخيرة دسمة لابد من التزود بها ولا يستغني عنها محبوه. هكذا هي يده الأبوية في التعامل مع كل أصدقائه.     قبل سنوات، تداولنا بيننا كأصدقاء لعبدالله السفر - أحمد الملا وغسّان الخنيزي وأنا- أن نحتفي به بطريقتنا الخاصة، ونستكتب مجموعة من الأصدقاء الكتّاب والشعراء للمشاركة في مقالات وإصدارها في كتاب إحتفائي به، عن شعره ودوره الثقافي.  والآن أتفاجأ…  سبقتنا “ اليمامة” إلى فكرتنا المؤجلة!  وحسناً فَعَلت…  فهو يستحق الأكثر. * الكويت