الرياض- الدرعية- الوشم..

طريق الرحلات الخالدة.

أول مرة سمعت أسماء أماكن مثل الدرعية والملقا والوصيل والعيينة، كان من شقيقي الكبير إبراهيم، كان هذا في طفولتنا، مناطق برية خصبة تقع شمال غرب الرياض وعنها شرقا منطقة الملقا، الحي الحديث المشهور الان، وأنت متجه شمالا تبدأ المنطقة من الدرعية ثم العمارية ثم الوصيل ثم العيينة ثم أخيرا صلبوخ وشعيب حريملاء ، يذهب لها دائما مع أصدقائه في مواسم الأمطار، صحبة سيارته الفولفو البيضاء موديل 65 ، لونها أبيض مشرق، تشبه شخصيته المشرقة ، ومع الوقت صارت السيارة تشبهه، سيارة نوعية لا شبيه لها ولم أر في الرياض مثلها، هذه السيارة لم تسقط في واد ولم تسقط في حفرة أو شعيب ممطر، رغم رحلاته المتكررة إلى البراري والوديان المحيطة بالرياض في مواسم الأمطار، دائما هي نظيفة ولامعة، يذهب بها إلى مشوار أول النهار، أو الى عمله في وزارة الصحة، ويعود بها آخر النهار كما هي لامعة ونظيفة مثله، سيارة إنسان عاشق قديم للرحلات في المناطق البرية السرية التي لا يعرفها إلا قلة من الناس في ذلك الوقت، براري وشعاب ومزارع نجدية متنوعة. رحلة الدرعية ركبنا سيارته لأول مرة في رحلة تاريخية لا تنسى الى الدرعية، وكنت في المرحلة الابتدائية، رحلة لمزرعة في وسطها بركة ماء تابعة لبئر قديم يسقي نخيل وأشجار المزرعة، يوم كامل قضيناه بين جبالها وشعابها وبيوتها الطينية الصغيرة حتى منصف الليل، صحبة العم علي أستاذ الكل في فن الرحلات البرية، وصحبة الإخوة محمد وعبد العزير وأيضا فهد وعبد الله أبناء إبراهيم، وهم جميعا معنا في الصورة، وهذه الصورة بكاميرا إبراهيم ، وهي كاميرا سوداء مشهورة ، لها بيت من جلد بني له رائحة مميزة ، وربما هي الكاميرا الوحيدة في حارتنا ذلك الوقت ، يضعها إبراهيم أمامنا ويثبتها بتوقيت ، ثم يأتي ويصف بجانبنا ، وبعد ذلك نسمع صوتها وهي تلتقط الصورة ، ولازالت مشاهد هذه الصور والرحلة ورائحتها حاضرة في ذهني، ثم رحلات متكررة إلى الملقا والوصيل ثم وادي حنيفة وشعيب صلبوخ ووادي نمار، نذهب معه لهذه الأماكن بفرحة عميقة، في الليل لا ننام بسهولة من الفرح إذا وعدونا برحلة، ننام مبكرا ونستيقظ مبكرا ثم نخرج الى الشارع في انتظار اطلالة السيارة، نخرج في رحلة عائلية صباح العطلة أيام الجمع ونعود في المساء ونحن نكرر اسماء مناطق الرياض البرية والريفية السياحية المعروفة التي حفظناها. الان في العام 2026، حين أزور هذه المناطق، بالذات الدرعية والملقا والعيينة، أتأمل كيف تحولت من براري إلى مناطق سكنية وسياحية مدهشة، أتذكره رحمه الله وأسأل أين سيارته الفولفو وأين أماكن الوصيل والملقى القديمة، مناطقه البرية الصافية في ذلك الوقت، وكأن هذه الأماكن ذهبت قليلا الى الشمال، وصرنا نستمتع بها في براري صلبوخ وحريملاء والمجمعة والقصيم. صحف ومجلات إبراهيم هو من أول أدخل إلى بيتنا الصحف والمجلات والكتب، جريدة الرياض وجريدة عكاظ والجزيرة ومجلة اليمامة وصحف السياسة والقبس ومجلة العربي الكويتية الشهرية، كانت مجلة العربي الملونة بدعة مثيرة ومشوقة، كنت في الصف الرابع الابتدائي حين انتبهت، عندما رأيته يخرج من المجلس عصر يوم عطلتنا، يوم الجمعة، ومعه الصحف والمجلات، ثم يرمي بها بيننا في غرفة الجلوس، وأنا اقترب من هذه الكائنات الورقية الغريبة وأبدأ في تصفحها، ولا أعرف أنها سوف تكون بداية رحلة طويلة مع القراءة العامة، صرت أنتظره عصر كل جمعة، جريدة الرياض والجزيرة ومجلة اليمامة، ودائما القبس والسياسة الكويتية، والمفاجأة الكبرى كانت مجلة العربي الكويتية الشهرية، التي يحضرها أول كل شهر، قرأت فيها قصص وقصائد شعر ومقالات وتحقيقات منوعة، قصص من حكايات ألف ليلة وليلة التي تعرفت على أجوائها من هذه المجلة لأول مرة في حياتي، وتنشر أيضا ملفات ملونة عن مدن العالم العربي وعن تاريخ القضية الفلسطينية مع الاحتلال الصهيوني، ومن هنا بدأت أعتاد القراءة الطويلة، ومع العربي الكويتية المتنوعة بدأت الرحلة مع عالم القراءة، وأحيانا يكون مع هذه المجلة الرفيعة مجلة العربي الصغير، قصص الأطفال برسومات فاتنة، وهكذا في هذا الجو المتنوع والمبدع تعلمنا القراءة والكتابة الحرة وتدربنا على حياة الرحلات البرية المبهجة. من الممكن نسيان تفاصيل وحكايات كثيرة، لكن من الصعب نسيان شخصية إبراهيم ، شخصية واضحة ومواجهة بشكل مباشر، شديدة أحيانا ولينة أحيانا، تتفق معها أو تختلف معها لكنها شخصية مميزة مثل بصمة، شخصية قوية وحادة وصادقة وبسيطة في آن واحد، شدة وبساطة الفلاح القروي الأصيل والصادق والعادل وصاحب الأخلاق العالية، بصوته العالي دون بهرجة أو استعراض أو تمثيل أو كذب، وإذا كان في مزاجه ذلك اليوم، دخلنا معه سويا، في مزاج حكايات عن قديم العائلة، حكايات الأجداد بطريقة إخبارية وليس بطريقة حكائية حين يقدم معلومات تاريخيّة نادرة وثمينة لا نعرفها. ذات الأثافي حين توفي والدي، أخذنا شقيقي إبراهيم في عطلة الصيف بسيارته الفولفو إلى ديرتنا وثيثية، وهي ذات الأثافي وأسمها الرسمي أثيثية، والاسم الشعبي وثيثية، من هنا في هذه اللحظة تطور أمر الرحلات معه ، وصار أبعد من الدرعية والوصيل ، إلى منطقة الوشم وقراها ، 180 كيلو متر شمال غرب الرياض ، جوار شقراء، عشنا في ديرتنا ثيثية، هناك في بيت والدي الطيني الواسع أربعة أشهر صيفية عظيمة ، في تجربة ريفية فلاحية قروية قوية لا تنسى، كان بيتنا قريب من بيت خالي عبد الله ، وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياتنا أنا وشقيقي عبدالعزيز، بالقرب من خالنا عبد الله ، حين تعرفت إلى قدرات هذا الخال المبدع في الحكي، حكى لنا عن أثيثية وهي ذات الاثافي وأسباب التسمية، يحكي بسهولة وعفوية، يحكي ويضحك، حتى وهو يحكي قصة مأساة عاشها أناس القرى في الظروف الصعبة قبل عشرات السنين ، حكايات فكاهية ساخرة من قلب المشهد الصعب أو المأساوي، وهو الخال الحيوي الذي عرفنا منه أهم معالم قرية وثيثية وتاريخها، من الديرة القديمة حيث قليب البحيري التاريخية الموجودة في أثيثية من قبل الإسلام ، وقليب الركية وسوق رزين، وفي العطيفة شعيب الخريمة، ثم في مرحلة لاحقة شعيب الأوعر، كنا نفطر هناك أحيانا في الصباحات المبكرة، أو نذهب معه في رحلات أخرى إلى القلتة والوادي، أو سوق حليوة في شقراء للتسوق، لكن موهبته في اعادة حكايات ومواقف أهل الديرة قبل عشرات السنين بأسلوب فكاهي ساخر فيه عفوية وجمال، كانت بالنسبة لي نقلة نوعية في الفهم ومحاولة الربط والمقارنة بين قراءة قصة وسماع حكاية شفاهية بروح فكاهية ساخرة، حكى لنا أيضا حكايات موت بعض شباب ورجال القرية إثر سقوطهم في الآبار التي تسمى القلبان ، ورحيل رجال من أهل الديرة مشيا على الأقدام إلى شقراء والرياض بسبب الجفاف والجوع في بعض السنوات، وعن المواقف المأساوية الصعبة التي تعرضوا لها، وكتبت في روايتي كائن مؤجل فصل عن واحدة من هذه الحكايات. ذاكرة موجزة عن بداية الكتابة بعد ذلك وحين كبرت قليلا وبدأت القراءة الجادة في المرحلة الثانوية زرت بعض مكتبات الرياض، مثل تهامة ودار العلوم في شارع الستين بالرياض، عثرت فيها على كتب أدبية ومتنوعة، وبعدها بسنوات دخلت، مرحلة تجريب مع كتابة القصة بعد التعاون الصحافي مع جريدة الرياض، ثم أصدرت كتاب القصة الأول مسافات للمطر الآتي ، وبعده كتاب القصة الثاني عرض موجز، وأتذكر أن الكتاب الثاني وجد ترحيبا وكتب عنه مقالات نقدية عن اللغة الشاعرية في هذا الكتاب القصصي، لكن لا أدري لماذا كنت أشعر أن تلك اللغة التي كتبت بها قصص كتاب مسافات وعرض موجز لم تكن لغتي، كنت أشعر أنها لغة من حصيلة وذاكرة قراءات كتابة خيال محلق ومبالغ في شعريته وبعيد عن الواقع ، وبعد توقف عن الكتابة حوالي السنة راجعت فيها تجربة الكتابة والقراءة بشكل عام ، ثم كانت النقلة النوعية في القراءة والكتابة بعد التركيز على قراءات جديدة كان فيها زيارات لمكتبات في الرياض والقاهرة ، حصلت على كتب أدبية نوعية لبعض الكتاب والكاتبات مثل جارالله الحميد وشريفه الشملان وعبدالعزيز مشري ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وابراهيم أصلان وكافكا وارنست همنجواي وألبير كامو وبورخيس وماركيز وغيرهم من الكتاب والكاتبات ، وهنا دخلت مرحلة قراءات أدبية كانت أشبه بدراسات موسعة ومعمقة في الأدب السعودي والعربي والأدب المترجم، بالذات في القصة والرواية، كانت ما يشبه نقلة فنية نوعية كتبت فيها قصص كتب إذعان صغير وأظافر صغيرة ثم رواية كائن مؤجل، مرحلة ثرية جديدة حاولت فيها الكتابة الواضحة والبسيطة والعميقة في آن واحد ، محاولة الوصول الى مستوى اللغة الساكنة والمتدفقة والسلسة والممتعة، تعلمت أن فن الكتابة لغة أولا وقبل كل شيء، لغة تستطيع أن تحول المشاهد اليومية العادية والمألوفة الى مشاهد غير عادية وغير مألوفة، بعيدا من نبرة الصوت العالية ومن تكلف مفردات لغة الشعر والبلاغة والفصاحة، وبعيد من موضوعات اجتماعية كبيرة ومثيرة ، والاعتماد على مشاهد الحياة اليومية التي أعيشها في الحارة والعمل والشارع والمقهى والسفر، بحيث يصل هذا النص الى القاريء العادي والكاتب والناقد على حد سواء، وهذه معادلة صعبة تحتاج الى سنوات في المحاولات وتجارب الكتابة للوصول اليها ، ولهذا الكلام الفني سيكون موضوع خاص . ذاكرة جديدة في رحلة جديدة تذكرت كل هذا بعد رحلتنا العائلية الأخيرة إلى ديار امرؤ القيس وأجدادنا في منطقة الوشم، القصب وشقراء وأثيثية ومرات، صحبة موسم الأمطار 2026، في شقراء والقصب لاحظنا نقلة نوعية اجتماعية وعمرانية وتجارية وبهجة المقاهي والأماكن السياحية المتنوعة، وفي أثيثية قبر الشاعر المعروف جرير وأقدم قليب بالمنطقة يعود تاريخها إلى قبل الإسلام والقور تشبه أثافي القدر. ..... *فصل من كتاب جديد قيد الكتابة عن محاولاتنا وتجاربنا في فن القراءة والكتابة والرحلات.