1 في التسعينات كنت معتادا كل يوم أربعاء أن أذهب لمكتبة صغيرة في حارتنا شرق الخط السريع لأخذ نسخة من صحيفة الشرق الأوسط لأن عدد الأربعاء كان معه مجلة رائعة واستثنائية، لم تستمر المجلة فقد توقفت لأسباب لا أعرفها، لذا اخترت صحيفة المدينة كبديل آخر، حيث كانت تنشر ملحق الأربعاء الأدبي في ذلك الوقت، وكنت أستمتع بقراءة الملحق كثيرا حيث كان مترعا بالمقالات والقضايا الأدبية الساخنة، وكان لا يفوتني مقال “حرش” في الصفحة الأخيرة والذي كان يكتبه أستاذنا محمود تراوري، كانت تعجبني في المقال اللغة، والفكرة، والأسلوب المناسب لطبيعة الزاوية. 2 بعد الألفية بدأت محاولات الكتابة الأولى، أكتب للأصدقاء وللعائلة، ثم كتبت متأخرا في منتدى جسد الثقافة، وفي يوم أربعاء -الذي كان يسبق الإجازة الأسبوعية حينها- خرجت من مقر عملي في كيلو عشرة، لا أدري كانت لدي سيارة ،قتها أم لا، توجهت لبقالة بالقرب من بيت الفنان الراحل طلال مداح رحمه الله، أخذت من هناك صحيفة المدينة، وتأكدت من الملحق، ومرت عيني بشكل خاطف على زاوية “حرش” كان العنوان: “جوش... وسقوط السؤال” وكان “جوش” عنوان لقصة نشرتها في جسد الثقافة وقتها، طويت الصحيفة مباشرة، وقد أخذ قلبي ينبض، لأن لدي يقين أنه سوف يتحدث عن قصتي تلك، لم أكن وقتها أفكر في شكل النقد، وأسلوب محمود المعروف في نقد بعض النصوص، لكن كنت أفكر كيف استطعت أن أقفز بهذا الشكل السريع إلى الصحافة، وتحديد للملحق الذي أحبه، وللزاوية التي لا تفوتني أبدا. وبعكس العادة أن أختم قراءة الملحق بزاوية “حرش” بدأت بها، وبالفعل كان المقال عن قصتي، حيث أخذ محمود يتحدث الواقعية القذرة في الأدب الأمريكي والتي كانت ردة فعل على الواقعية التقليدي في الأدب الفرنسي، ومعضلة القفلة في القصة والمسرحية، ثم ختم بالحديث عن سؤال المذكر والمؤنث في اللغة. 3 التقيت بمحمود أول مرة في بنادي جدة الأدبي، وكنت أكتفي وقتها بسماع النقاشات التي كانت تدور ضمن فعاليات جماعة حوار، كان أشاهد محمود يرتشف الشاي، ويسحب بين حين وآخر سيجارة من علبة الروثمان وينصت للنقاشات، وقد يشارك في نهاية الجلسة. ثم قرأت له روايته المشهورة “ميمونة” ومجموعته القصصية “تعدد الرواة في موت ديما” وكذلك “ريش الحمام” وأتذكر أول مداخلة لي في النادي الأدبي، كان محمود بجوار عبده خال، وكان يوشوش له ويشير إليّ، ويحجبني عنهما دخان السجاير، ولا أدري هل كان يشيد بمداخلتي أم يتوعد. ثم كانت له أمسية قصصية في النادي، ألقى محمود قصصا له، لم أنسى حتى الآن نصه البديع “خشب يملأ المكان” لقد كان صوت محمود السردي، وطريقته في الكتابة إشارة لي في بداية الطريق إلى الاهتمام بالأصالة. 4 بمجرد صدور روايتي الأولى اهتم محمود بتجربتي وسلط عليها الضوء، وذلك أثناء عمله في صحيفة الوطن، وأتذكر الضجة الكبيرة التي أحدثتها ترجمة “جانجي” التي ترجمها الدكتور أبو بكر باقادر، والذي كان وكيلا للوازرة حينها، وقتها الوزارة التي لم تفسح الرواية، فأتت صحيفة الوطن بمنشيت كبير في صفحتها الثقافية “الوكيل يترجم، والوازرة تمنع” طبعا الضجة لن تكون في صالح العمل لأن الرواية سوف يستمر منعها، وأيضا الدكتور أبو بكر سوف يكون في موقفه صعب، لكن الحس الإعلامي العالي لدى محمود لم يمنعه من القيام بدوره كصحفي ثقافي محترف، في الحقيقة أنه بعد قرابة السنة من تلك الضجة فسحت رواية “جانجي” وخرجت الترجمة للنور. استمر محمود عبر صحيفة الوطن، وكذلك الأصدقاء معه في الصحيفة؛ بندر خليل، وعلوان السهيمي، ومحمد الدعفيس، وجابر مدخلي، والكثير الزملاء في القسم الثقافي بالاهتمام بالتجربة، وقد استمر ذلك إلى آخر رواية صدرت لي عام ٢٠٢٠ “آخر حقول التبغ”. 5 ثم أصبحنا أصدقاء بعد ذلك، نلتقي في النادي الأدبي، وفي مقر صحيفة الوطن، ونذهب إلى مكة لنلتقي بالأستاذ فايز أبا، نذهب للمقاهي، ونحضر بعض المناسبات، وقد نذهب إلى محافظة ما لنشاط أدبي، أو أذهب إليه في البيت نتناول الإفطار في مكتبته العتيقة، ونتحدث عن كل شيء في الحياة، ثم تداعت بعد ذلك أشياء كثيرة، اندثرت الصحافة الورقية التي كانت ميدان محمود، سقطت النوادي الأدبية في أيدي أناس لا يجيدون إدارة الحراك الثقافي، ثم أصبح النوادي أطلالا بعد ذلك، تغيرت الحياة، وانكفأ الناس. 6 سنوات لم ألتقي فيها محمود، وهذا بلا شك تقصير مني، خاصة وأنا واحد من الذين تأثروا به وبطريقته في الكتابة، وذلك عبر رواياته وقصصه، ومقالاته، وصوته الرخيم عبر الأثير في الإذاعة. أبو منار غائب الآن، لأنه يفضل الهدوء، لكنه حاضر بحبنا له، وبذكرياتنا معه، وبطريقته العريقة، وأسلوبه البديع والتقاطاته البارعة، في اللغة والفن، والأدب. ولعل ما يشفع لي عنده هذه اللحظة هو المحبة المتجذرة، والود الكبير، والنبل الذي عرفته منه.