.

التحريض الخفي ضدّ المُلْكِيَّة.

«Nudging» أو التحفيز السلوكي غير المباشر هو طريقة تهدف إلى توجيه الاختيارات أو السلوكيات عبر تشكيل البيئة المحيطة بالأشخاص الذين يتخذون تلك الاختيارات؛ إذ يمكن دفع الفرد، بلطف وخفاء، نحو نمطٍ معيّن من السلوك أو صرفه عنه. وقد دخل هذا المفهوم إلى دائرة الانتشار الواسع عام 2008 بفضل كتاب ريتشارد ثالر وكاس سنستين Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness الذي فتح الأبواب أمام الحكومات والشركات حول العالم لتبنّي هذه الممارسة. ورغم أن البعض يرى في «النَّدْج» شكلاً متأصلاً من التلاعب، فإنه ليس خبيثاً بالضرورة؛ فإلى حدّ ما، كل تصميم ناجح يوظّف نوعاً من هذا التحفيز، سواء في ألعاب الفيديو أو البرمجيات المختلفة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التصميم الجيد ينبغي أن ييسّر أفضل تجربة استخدام ممكنة، بجعل التفاعل بديهياً بدلاً من الاكتفاء بإملاء التعليمات على المستخدم. تكمن المشكلة حين يُستخدم هذا التحفيز ضد مصالح الشخص المُستهدَف به، كما يحدث في مسألة الملكية. فامتلاك الأصول بمختلف أنواعها يزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، لأسباب تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار. وفي صناعة الترفيه، تتجلّى هذه الظاهرة بأشكال متعددة، أبرزها غياب متجر رقمي يتيح شراء الأفلام بصورة فعلية. ليس الأمر مستحيلاً، ولا حتى معقداً؛ بل إن مثل هذا النظام كان موجوداً بالفعل. فقد كانت منصة iTunes تبيع الأفلام التي يمكن تنزيلها ومشاهدتها على أجهزة iPhone، لكن مع ازدهار عصر البث التدفقي، أنشأت Apple خدمة Apple TV القائمة على الاشتراك، ثم دفعت بـiTunes تدريجياً إلى الهامش، مدمّرةً بذلك أحد مسارات الملكية من دون مبرر وجيه. وبالحديث عن البث التدفقي، فإن خدمات البث تسمح بدرجة محدودة من التنزيل، غير أن هذه التنزيلات غالباً ما تكون منخفضة الجودة — بدقة 720p في كثير من الأحيان. وفي بعض الحالات يكون ذلك بهدف تقليل استهلاك النطاق الترددي، أما في حالات أخرى — مثل YouTube — فيبدو الأمر أقرب إلى تخريبٍ مقصود. الذريعة المعتادة هي الخوف من القرصنة: أن تُنشر الأفلام والمسلسلات على الإنترنت فور تنزيلها بصورة قانونية. لكن الحقيقة أوضح من ذلك بكثير: لقد خسرت صناعة الترفيه حربها ضد القرصنة. حيث في هذه اللحظة توجد مواقع لا تُحصى تتيح تحميل أو بث أي أغنية أو فيلم أو مسلسل مجاناً. وعلى حدّ تعبير أحد أبرز المدافعين عن حقوق المستهلك في القرن الحادي والعشرين: «القرصنة، في الغالب، مشكلة خدمة لا مشكلة تسعير». تفضّل الشركات الإيراد المنتظم الذي تضمنه الاشتراكات على العائد المتذبذب الناتج عن الشراء المباشر؛ لذلك جرى تسخير مختلف الوسائل لتشجيع البث التدفقي، ويتجلى ذلك بوضوح في الفارق بين جودة ودقة المبثوث وجودة المُنزَّل رسمياً. غير أن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي حاربت بها المصالح التجارية مفهوم الملكية. فإلقاء نظرة سريعة على أجهزة الحاسوب المكتبي خلال العقد الأخير يكشف تراجعاً لافتاً في وجود محركات الأقراص، بل إن المشكلة تبدأ من تصميم الصناديق نفسها التي لم تعد تتضمن حتى فتحات لتركيب هذه الوحدات. وحتى عندما كانت محركات الأقراص لا تزال متاحة، عمدت شركات الأفلام إلى تعطيل تشغيل الأقراص السينمائية عليها تلقائياً — كما يحدث في المشغلات المخصصة — وسعت بدلاً من ذلك إلى فرض شراء برامج إضافية لمشاهدة أقراص سبق للمستهلك أن اقتناها بصورة قانونية. إن تآكل الملكية مستمرّ في زحفه؛ لا عبر المنع المباشر، بل عبر حواجز مصطنعة تُنصب بهدوء.