دائماً ما تتكرر الملاحظات حول ضعف الحوار والسرد في الدراما السعودية، وغالباً ما يُنظر إلى المشكلة على أنها ضعف فني يتعلق بمهارات الكتابة أو قلة الخبرة، لكن أعتقد أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، ضعف الحوار الدرامي ليس معزولاً عن طبيعة الحوار في حياتنا اليومية، ولا عن البنية الذهنية التي تشكل طريقة حديثنا وفهمنا للإنسان والحياة. (فالسواليف) في كثير من الأحيان لا تُترك لتتدفق بطبيعتها، ولا تُمنح فرصة للتصاعد أو التناقض أو اكتشاف المجهول، تبدأ الحكاية عفوية، ثم سرعان ما تذهب نحو العبرة والخلاصة والنتيجة الدينية أو الأخلاقية الجاهزة، نتحدث عن الناس لا لنفهمهم، بل لنأخذ منهم درساً، فيصبح الشخص إما نموذجاً يُحتذى به، أو عبرة يُحذر منها، وحتى القصص اليومية البسيطة في المجالس أو وسائل التواصل أو الرسائل الشخصية / الجماعية ، غالباً ما تنتهي بوعظ مباشر أو خاتمة دينية مألوفة. قد يرى البعض أن هذا من حسن سلوك المسلم، وهذا صحيح في جانبه الديني، لكن المشكلة ليست في الدين نفسه، بل في الطريقة التي تحولت بها الخاتمة الجاهزة إلى جزء أساسي من البنية الذهنية ، فالعقل حين يعتاد لعشرات السنين على إغلاق كل قصة بحكمة أو موعظة أو نتيجة نهائية، يبدأ تدريجياً بفقدان قدرته على تحمل التعقيد الإنساني، أو البقاء داخل الأسئلة المفتوحة. الحوارات الدرامية دائرية وليست تصاعدية ، لأن الدائرية توصلنا دائماً إلى الخاتمة التي نريدها مسبقاً، بينما التصاعدية قد تفاجئنا وقد تكشف لنا جوانب غير متوقعة في النفس أو الموقف ، وهذا ما يفسر حساسيتنا تجاه أي تعبير يخرج عن الصيغة المعتادة ، أذكر أنني نشرت مرة في أحد شبكات التواصل “ اللهم إني لا أسألك الثبات “ ، فواجهت هجوماً كبيراً ، ليس لأن الجملة فيها إساءة، بل لأنها كسرت الصيغة المتعارف عليها ، رغم أني كنت أقصد طلب التطور والتغيير للأفضل ! وكذلك عندما نشرت “ اللهم بلغنا شوال “ قبل قرار قيادة المرأة، أثارت الجملة استنفاراً لأن العقل اعتاد عبارة معينة “ اللهم بلغنا رمضان “ ، المسألة هنا ليست في الكلمات، بل في كسر التوقع الذهني المألوف. ومع الوقت، لا تكتفي البنية الذهنية بتفضيل الخواتيم الجاهزة، بل تبدأ بالتعامل معها كأنها المسار الصحيح الوحيد للحياة ، فيصبح الإنسان مقيداً داخل قوالب متشابهة ، الصبر بالطريقة نفسها، التوبة بالطريقة نفسها، حتى الحزن والفرح يُعبَّر عنهما ضمن قالب واحد ، ولهذا يبدو الاختلاف مقلقاً، ليس لأنه خطأ، بل لأنه يكسر الإحساس الجمعي بأن هناك طريقة واحدة (صحيحة ) للعيش والشعور والتعبير. هذه البنية تنعكس مباشرة في الدراما ، فحين تفترض مسبقاً أن للحياة مساراً واحداً، فإن الحوار يتحول من مساحة اكتشاف وصراع إلى طريق يقود نحو نتيجة معروفة سلفاً ، الشخصية التي يُفترض أن تتوب تُكتب حواراتها لتقود إلى التوبة، والشخصية التي ستُعاقب تُبنى منذ البداية على أنها مستحقة للعقاب ، وبالتالي لا يعود الحوار أداة لاكتشاف الإنسان، بل أداة لتأكيد النتيجة المتوقعة ، كما أن هذه البنية تؤثر في اللغة التعبيرية نفسها ، فبدلاً من أن يصف الإنسان مشاعره المعقدة ، كالحب الممزوج بالخوف، أو الندم الذي يحمل تمسكاً بالذات، أو الصراع بين الرغبة والواجب ، نلجأ إلى عبارات جاهزة تخفف من ثقل التجربة الشخصية ، ويتجلى ذلك حتى في المناسبات السعيدة أو الحزينة، حيث نعتمد غالباً على عبارات ثابتة وموروثة مثل ، (الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) أو (بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ) ، ومع الوقت أصبحت هذه العبارات تسيطر على طريقة تعبيرنا عن الفرح والحزن، فأراحت الناس من عناء البحث عن كلمات خاصة بهم، أو محاولة وصف شعورهم الحقيقي بتفاصيله الإنسانية المختلفة ، وحتى الدعاء نفسه تحول أحياناً إلى نصوص معاد إرسالها بشكل مستمر، حتى فقدت شيئاً من روحانيتها . هذه البنية الذهنية لا تؤثر فقط في الحوار، بل في الخيال الاجتماعي كله ، فالخيال الاجتماعي ليس منفصلاً عن البنية الذهنية، وإذا كانت هذه البنية قائمة على الإجابات السريعة والخلاصات الأخلاقية الجاهزة، فإن الخيال نفسه يصبح محدوداً، وتتحول الشخصيات إلى نماذج ثابتة أكثر من كونها كائنات إنسانية حية ، فالإنسان الحقيقي يعيش تعقيداً وتناقضاً ، قد يحب ويكره الشخص نفسه في الوقت ذاته، وقد يندم دون أن يتغير، وقد يكون مؤذياً ومجروحاً في الوقت نفسه ، لكن البنية الذهنية التي تبحث دائماً عن خاتمة واضحة تجد صعوبة في تقبل هذه المناطق الرمادية، لأنها لا تقود إلى نتيجة مريحة وسهلة ، ويتجلى ذلك بوضوح في اللغة نفسها ، فبدلاً من أن يصف الإنسان مشاعره المعقدة بصدق، يلجأ غالباً إلى عبارات جاهزة تخفف من ثقل التجربة الشخصية. لا يقول “أنا غاضب لأنني شعرت بالإهانة”، بل يذهب مباشرة إلى عبارة عامة مثل: “الحمد لله على كل حال”، ولا يقول “أشعر بالغيرة لأن نجاحه جعلني أواجه فشلي”، بل يستبدل ذلك “سبحان الله، الدنيا فانية وما عند الله باقٍ” ، هذه العبارات ليست خاطئة، لكنها كثيراً ما تعمل كغطاء نفسي ولغوي يخفف من مواجهة الذات ، فاللغة الجاهزة تمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء، وتحميه من الانكشاف الداخلي، لكنها مع الوقت تضعف قدرته على فهم مشاعره نفسها ، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل ما نشعر به، بل أداة لاكتشافه أيضاً ، وكلما افتقرت اللغة إلى وصف التعقيد النفسي، ضعفت القدرة على فهم النفس، وضعف معها الذكاء العاطفي والحوار والسرد ، ولهذا تبدو كثير من الحوارات الدرامية وظيفية أكثر من كونها إنسانية ، تنقل المعلومة، أو تقدم حكمة، أو تشرح الموقف، لكنها لا تكشف الروح الداخلية للشخصية ، بينما الحوار الحقيقي في الدراما لا يقوم فقط على ما تقوله الشخصية، بل على ما تحاول إخفاءه، أو التهرب منه، أو الكذب على نفسها حياله ، الشخصية الحية ليست فكرة أخلاقية تمشي على قدمين، بل إنسان يحمل تناقضاته وجراحه ورغباته وصراعاته الداخلية. هناك مقولة تقول : إن “الأفكار تولد أثناء الكتابة”. أي أن الكتابة ليست مجرد تنفيذ لفكرة جاهزة، بل عملية اكتشاف مستمرة، قد تكشف للكاتب جوانب لم يكن واعياً بها منذ البداية ، أحياناً تتغير الشخصية أثناء الكتابة، أو تنحرف الحوارات إلى مناطق غير متوقعة، أو تظهر أسئلة جديدة لم تكن موجودة في المخطط الأول ، لكن هذه الخاصية الإبداعية تضعف حين تكون البنية الذهنية ممتلئة مسبقاً بالإجابات والخواتيم النهائية ، فالعقل الذي تعود على وجود نتيجة (صحيحة ) لكل شيء، لا يترك مساحة كافية للحوار كي يكتشف، ولا للشخصية كي تتفاجأ بنفسها، ولا للسرد كي ينمو عضوياً أثناء الكتابة . واللافت أن كثيراً من دورات كتابة الدراما تركز على التقنيات وحدها ، بناء المشهد، وهيكلة السيناريو، وتصعيد الحبكة، بينما يتم تجاهل العنصر الأهم ، البنية الذهنية والخيال الإنساني ، فالكاتب أو المخرج لا يصنع شخصيات عميقة عبر تعلم القواعد فقط، بل عبر توسيع نظرته للإنسان ، وهذا لا يحدث إلا من خلال مخزون معرفي وإنساني واسع ، مثل ، قراءة الأدب العالمي، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والسير الذاتية، والاستماع الحقيقي للناس وتجاربهم دون استعجال تحويلها إلى عبر وخلاصات. ربما لهذا تبدو بعض الشخصيات في الأعمال العالمية أكثر حياة وصدقاً، ليس لأن الإنسان هناك مختلف جوهرياً، بل لأن ثقافتهم السردية تسمح للشخصية بأن تكون متناقضة وغير مكتملة ، تسمح لها بأن تقول أشياء غير مرتبة أخلاقياً أو نفسياً، وأن تبقى داخل الصراع دون الوصول السريع إلى حل أو درس نهائي ، أما عندنا، فكثير من (السواليف ) لا يُسمح لها بأن تتنفس ، بمجرد ظهور الحيرة أو الألم أو التناقض، يتدخل الوعظ سريعاً لإغلاق المساحة المفتوحة ، وكأن البنية الذهنية تخاف من الاستطراد نفسه، لأن الاستطراد يعني احتمال الوصول إلى مناطق غير مضمونة أو غير مريحة ، لكن السرد الحقيقي يبدأ من هنا بالضبط ، يبدأ من القدرة على البقاء داخل السؤال، وعلى تحمل الغموض والتناقض وعدم اليقين لبعض الوقت ، ولهذا فإن أزمة الحوار والسرد ليست أزمة كتاب فقط، بل أزمة خيال اجتماعي تشكل عبر سنوات طويلة من اللغة الجاهزة والخواتيم السريعة. (السواليف) الحقيقية الحية تحتاج إلى شجاعة داخلية ، وشجاعة الاستطراد، وشجاعة مواجهة التناقض الإنساني، وشجاعة عدم معرفة إلى أين سنصل .