1 كنتُ أسيرُ في الطريق حين سمعتُ صوتا حادا صادرا من الخلف، التفتُ لكنني لم أر أحدا، وبعد ثانية واحدة ظهر من الحائط رجلٌ يمشي مسرعا، يحرّك ذراعيه مثل مساحات زجاج السيارة! تجاوزني متقدما إلى الأمام. كان طويل القامة، يرتدي قميصا أبيض باهتا، وبنطالا قصيرا داكنا، وحذاء رياضيا ضخما قديما، كان هو الذي يصدر ذلك الصوت الحاد كالقرع على الحديد. كان الرجل في عجلة من أمره، يحني كتفيه بطريقة تنبئ أنه يشعر بالسوء بدرجة بائسة، وكان يحرك رأسه ويتلفت كمروحة، التفاتة منزعجة كأنما فوجئ بما حوله: الدكاكين الكثيرة المتلاصقة على اليمين والشارع الذي تحتشد فيه السيارات على اليسار. كان يركز نظره على نحو مبالغ فيه كأنه يتمنى خلو الرصيف من كل مسببات التشويش لديه. كان مُشتَّتا بينما يسير بخطوات واسعة ومتقدمة، راغبة في الوصول حقا. تجاوزني هذا الرجل الغريب الطارئ على وقته كما يتجاوزني الجميع من المارة، فأنا أسير ببطء لأحمي ركبتيّ الضعيفتين. 2 كانت واقفة إزاء باب عربة القطار المفتوح، لا بل كانت واقفة قريبا جدا منه، حتى لو أنه انغلق كان ينغلق عليها. لم أحتمل تصوّر هذا المنظر، فقلت لها أن تبتعد عن الباب. هي ربما لم تسمعني بسبب سماعات الهيدفون التي تضعها على أذنيها، وقد تكون سمعتني وتجاهلت، ثم أنها أخرجت رأسها من الباب، وأخذت تتلفت هنا وهناك، كأنها بانتظار أحد ما، لكن أحدا لم يجيء؛ وأطلق الباب الحديدي المخيف صافرته العالية المعلنة أنه سيوصد. حالما حدث ذلك استدارت الفتاة ووقفت قبالتي، ثم أنها استندت إلى الباب الموصد، تحدق بي من خلف نظارتها الزجاجية العاكسة بطريقة تتحداني بها. أدركتُ أنها سمعتني، ولم تكن راضية، وكأنني أخطأت بحقها. صمتُ ونظرتُ من نافذة القطار إلى الليل الذي تضيئه بعض الأنوار، أنتظرُ محطتي القادمة. في المحطة التالية وعندما فرغ أحد الكراسي، يبدو أن امرأة احترمتْ وقدّرتْ ما كنتُ قد فعلته، فاقترحتْ عليَّ الجلوس على الكرسي الفارغ، لكن امرأة أخرى هرعتْ إليه، فقلتُ لها: لا داعيَ لذلك، فمحطتي هي التالية. نزلنا من عربة القطار أنا وتلك الفتاة، ذهبتْ هي في اتجاه، وذهبتُ أنا في اتجاه آخر، لكن مع نية جازمة في داخلي أن لا أقدّم أية نصائح لأحد، وأن أهتم بشئوني فقط، كي لا أثير حنق من أريد لهم الخير! 3 دخل المصعد معنا فتى صغير، نحيف، بشعر قصير جدا يتوج رأسه المنتصب في شموخ. يرتدي قميصا عاديا، لونه شاحب، وبنطالا مخططا يكسو فخذيه فقط، بقية بنطاله متدلٍ على فراغين. كان الصبي يجلس على كرسي متحرك، يدفعه بذراعيه النحيلتين. دنت منه طفلة صغيرة، وأخذت تتفحصه بعينين فضوليتين مندهشتين، لم يُبدِ أية ردة فعل تجاه نظراتها، ظل هادئا، واثقا، وربما متفهما، أو معتادا. وقف في وسطنا، كنا جميعا نساء، نحمل قلوبا تشبه الماء في حنوها، لكن أيا منا لم تتصرف بطريقة تشعره بنقصه، أو أنه بحاجة إلى المساعدة. أو ربما كن منهمكات بأفكارهن الخاصة وأنا بالغتُ في شعوري. وصل المصعد وخرج الجميع، أنا كنت أقف خلف الصبي، انتظرته كي يخرج قبلي، فكرتُ أنه تصرف إنساني نبيل من جهتي، لكنه لم يكن بحاجة إليه، التفتَ نحوي، وقال لي بصوت حازم خافت أن أغادر المصعد. فعلتُ. دفع كرسيه إلى وسط محطة القطار، متجها نحو المصعد الآخر الذي سيوصله إلى المترو. هذه هي الحياة تقتحمها قويا، حتى وأن كنتَ بلا ساقين.