يسدل المساء ظله على القرى، وتحجب المُزن شعاع شمس العشية، يسري البرق يومض بتتابع كثيف على امتداد الأفق البعيد يرسم خطوطا فضية من الضوء تنير قمم جبال السراة الغربية المطلة بمهابة وصمت على ربوع تهامة العطشى المحتجبة تحت طبقة شفيفة من السديم. وبينما ترقبه الأعين بجلال وأمل وترصد تبدله مستبشرة ما بين توهج وانطفاء، تنطوي ريحانة بوجل على نفسها تدفن بين ركبتيها الصغيرتين وجهها البري وترتعد أطرافها ويزداد وجيف قلبها وتشرع في البكاء بصمت وقد أيقظ البرق في قلبها الغض أحزانها الدفينة. وفي انحناءتها ترى وجه أمها عندما التجأت معها ذات مساء مطير لأحد الكهوف تتقيان وابل المطر، فحصد ذلك البرق روح أمها أمام عينيها المذعورتين وزكمت انفها رائحة احتراق اختلطت بروائح جسدها وأورثها وهجه الحارق ندوب في أطرافها بقيت شاهدة على أحداث تلك الليلة المطيرة. وكلما لاح البرق لاح لها وجه أمها الشاحب وقد اكتسى بصفرة الموت، وعينيها المتوسلتين بهلع وكفها الممدودة نحو ريحانة كأنما تستجدي البرق كي يكتفي بحصد روحها ويدع صغيرتها كي تبقى وتمضي في دروب الحياة. وما بين هزيم الرعود وسير السحاب يزفه البرق صاعدا نحو قريتها الجبلية وبين فرحة المحيطين بها بقدوم الغيث كانت تتجاذبها أحاسيس متباينة ما بين خوف ورجاء. وَفِي أَعْمَاقِهَا القَصِيَّةِ كَانَتْ تُصَلِّي وَتَبْتَهِلُ بِبَرَاءَةٍ مَكْلُومَةٍ بِأَنْ يَمْكُثَ البَرْقُ هُنَاكَ بَعِيدًا فَوْقَ تِهَامَةَ، وَأَنْ تَأْتِيَ السَّحَابَةُ وَحْدَهَا إِلَى سَمَاءِ قَرْيَتِهَا وَهِيَ مُحَمَّلَةٌ بِالْغَيْثِ، لِتَسْكُبَ عَلَى أَطْرَافِهَا وَابِلَ المَطَرِ.