.

الصوت ضرورة قصوى .

كم تشبهنا تلك الجملة المحكوم عليها بسوء الفهم أبدا!   لا علاقة لتقسيمات النحاة بتلك المعضلة، ولا لجهود الفلاسفة… لا علاقة للغة ولا الإعراب مادام الصوت والنبرة والملامح في إفلات مستمرٍ من تبعات الجملة التي قيلت، والجمل التي لم تُقل أيضا.   في الأيام العادية مثلا؛ كنت أقولُ لكَ: (ما الذي تحس به) وأنا ساخرة. تفهم أنَّها جملة تهكُّميَّة لأنّ الصيغة رائجة في عُرفنا حول الحكم على ما لا يستقيم. والآن أسألك كطبيب عما تحس به حين تألم، أو تحزن، وحين تشكو من أعراض أحاول تفهُّمها ملء القلب قبل العقل؛ أترجع تلك الأعراض إلى جسدك الضعيف؟ أم لتقلبات الحياة التي تتقلّب حولنا وبداخلنا كعقاب؟!  لا تجيبني أيضا كردِّكَ المعتاد على سخريتي، كأنني الجملة المذنبة نفسها وقد صارت تسيء الفهم بقدر ما يُساء فهمها. ومع ذلك ألحّ عليك: «بمَ تحسّ؟ بمَ تحسُّ؟» ويطول صمتُك المتعب حتى تحين المشاجرة التالية؛ حيث نحرص على سوء الفهم فيها أكثر من حرصنا على إتمامها بقبحٍ سافر… قبح متعمَّد يجزم بما تحس به دونما جواب منك على السؤال الأساسي. هكذا يتمُّ فهم الجمل كاملا حين ننوي إساءة الفهم…!   أسألك عما تحس به، والحسُّ نفسه مُتنازع عليه من قبل الفلاسفة الذين يُفقِدون الأشياء صوابَها، ولا يستطيع الطبيب تتبُّع كل حسٍّ ليخلص إلى عَرَضٍ يفهمه لداء ما. لا يوجد دليل مكتوب يستقصي الأحساسيس رغم هراء تصنيفاتها وتنازع الاختصاصات... والحسّ الذي يزلزلني حين تألَمُ لا مبرِّرات واقعيّة له أيضا، قد يشخّصه متفلسِفٌ ما -أيًّا كانت مرجعيته في التفلسف- تشخيصا مضادا؛ ولو كان هناك طبيب للأرواح لأجاب بأنّني (منك) دونما أدنى وشيجة نسب. والحسُّ هنا مفهوم!    العجائز لهنَّ طبّ خاص يُدرِكنَ به طبّ الروح بعيدا عن حَرْفٍ وخطٍّ، يفهمنَ جُمَل الحياة التي قيلت ولم تُقل، يعرفنَ أنَّ سوءَ الفهم وغَدْرَ الحسّ عرَضٌ للحياة نفسها التي لا يُمكن لأي كائن أن يحسن فهمها تماما. سينصحننا بمزيد من القرب لإحاطة الفهم، يعرفنَ أنَّ القرب طبٌّ أوسع من الكلام، ومن الجمل الخبرية والإنشائية، ومن أفعال الكلام التي تجاوزت حصار الجملة، ولذلك يتحسَّسْنَ كل شيء قُربًا، ويستنطقنَ الأحياء والأشياء بأياديهنَّ بعيدا عن الجُمَل، بل وبالقليل منها ... أنْ تقتربَ فتلتقط كل إشارة للحياة تغنيك عن اللغة برمّتها، ثم تكون أكيدا من إجابتك دون أدنى كلمة... هكذا يكون القرب سحابةُ أجوبة... تقتربُ فلا أحتاجُ إلى جوابٍ يُتأتِئ بشرحِ ما تحسُّ به حتى تخذلك اللغة… لا يمكن أن يُساء فهْمُ (القرب) لأنّه معيّة مطلقة...   لمَ لا تكون الأمور سهلة دائما بمثل ذلك؟ لماذا نتخفّى بالجمل التي لا تُقشِّرنا فنظهر؟ لماذا لا تفسّر الكلمات ما تحس به حتى أجتاز المسافة وأصحبك في رحلة العَرَض الذي يُتعِبُك؟ ولماذا نحتاج إلى اللغة وهي تعيقنا بهذا القدر؟    إنَّكَ لا تجيب عن كل ذلك كأنك عقلي المحتار. عقلي الذي يحدثني بلا صوت أيضا…! لكنني أفهمه لأنه هنا… قريب مني.    لا تجيبني عن كل ذلك، تركن إلى فهمي الذي سيتحقق لا محالة، تسكت ومع ذلك أفهم كيف يخترقك الألم، أفهم لأنك قريب على صعيد آخر، فمهما كان الصوت ضرورة قصوى لمحاولة الفهم، فالقرب أولى. وكم كنتَ متأكِّدًا من ذلك، ولهذا لم تجبني.