أكتب هذه المقالة بعد أن خاض المنتخب السعودي مباراته الأخيرة أمام منتخب الرأس الأخضر. لم يخسر لكن حتى لو فاز فإن ذلك لن يغير مما سأقوله هنا عن علاقة المنتخب بالمجتمع الذي أنتجه. سأبدأ بما بعد المباراة. فبعد انتهائها توجه لاعبان فقط هما العويس والعمري لتحية المشجعين السعوديين بينما غادر البقية الملعبة بدون اعتذار ولا وداع. في الواقع فإن العلاقة بين المجتمع وفريقه الوطني تتجلى في اللحظة التي يخسر فيها، وليس في الانتصار الذي يتشارك فيه اللاعبون والجمهور الفرح . فعند الهزيمة ينكشف نوع الرابطة التي تجمع المنتخب بالمجتمع الذي يمثله. ولهذا تبدو لحظة توديع الجماهير بعد الخروج من البطولة أكثر من مجرد حركة عادية؛ بل لحظة اعتراف متبادل بين المجتمع ومن حمل اسمه. حين يتجه اللاعبون إلى المدرجات بعد الخسارة أو الفوز، فهم لا يعتذرون عن الخسارة، ولا يشاركون الجمهور الفوز، بقدر ما يعترفون بوجود المجتمع الذي منحهم شرعية التمثيل، أما التصفيق المتبادل بين اللاعبين والجماهير الذين حضروا المباراة فهو إعلان بأن الفوز أو الخسارة وقعت على الجميع، وأن انتماء أحدهما للآخر لم يكن مشروطا بالنصر أو الهزيمة. لكن أن يغادر اللاعبون من دون أن يلتفتوا ، فما فعلوه ليس مجرد كسر تقليد رياضي، بل بتر خيط رمزي يصل المجتمع بهؤلاء اللاعبين الذين يمثلونه. قد نجد عذرا، سنفكر في أن اللاعبين غارقون في صدمتهم أو خيبة أملهم، لكن المشكلة لا تكمن في عدم التوديع ذاته، بل تكمن في المعنى الذي يحمله غياب التوديع. فهذا الغياب يوحي بأن العلاقة قد تحولت بين المنتخب والمجتمع من علاقة تمثيل إلى علاقة أداء؛ كما لو أن اللاعبين يلعبون لأنفسهم، وأن الجمهور الذي يمثل المجتمع في المدرجات مجرد جمهور يشاهدهم، وليس مجتمعا يشاركهم، والأكثر إيذاء أن اللاعبين تخلوا عن اللغة المشتركة، والذاكرة المشتركة، والأمل المشترك. وتجاهلوا أن الجماهير التي شجعتهم لم تشجع أداءهم، بل مثلت عينة من مجتمع يستثمر في منتخبه جزءا من هويته، ويمنحه عاطفته. فالعلاقة بين المنتخب وبين مجتمعه وجماهيره ليست علاقة مستهلك بمنتج، بل علاقة صورة بصوره. لا يحتاج المجتمع إلى الانتصارات كي يشعر بالانتماء، لكنه يحتاج إلى الاعتراف به. والهزيمة يمكن أن تصبح لحظة تعميق للرابطة إذا اعترف اللاعبون بالمجتمع الذي وقف خلفهم، وفي الوقت ذاته يمكن أن تتحول إلى لحظة اغتراب إذا انقطعت الإشارة الرمزية التي تؤكد أن الجميع كانوا جزءًا من التجربة نفسها. ومن هنا فإن توديع الجماهير بعد الإقصاء ليس فعلا أخلاقيا بسيطا، بل هو تعبير عن فكرة تمثيل لاعبي المنتخب لمجتمعهم. فالممثل، أيا كان مجاله، لا يستمد معناه من نجاحه فقط، بل من استمراره في الاعتراف بمن يمثلهم، والمنتخب قد يغادر بطولة، لكنه لا يغادر المجتمع؛ لأن المجتمع هو الذي منحه اسمه، ومنحه شرعية وجوده، ومنحه المعنى الذي يتجاوز حدود الملعب. ولهذا تبدو لحظة التوديع بسيطة لكنها من أكثر اللحظات كثافة. إنها اللحظة التي يتذكر فيها المجتمع واللاعبون بأن كرة القدم ليست منافسة على كأس، بل تجربة اجتماعية يرى فيها اللاعبون أنفسهم في صورة فريق، ويرى الفريق نفسه في صورة شعب. فإذا غاب هذا فإن النتيجة مجرد رقم، أما إذا حضرت، فإن الهزيمة نفسها تتحول إلى مناسبة يؤكد فيها اللاعبون والمجتمع أنهما أكبر من الفوز والخسارة، وأن العلاقة بينهما لا تنتهي مع صافرة الحكم. 2 لنعد قليلا إلى الوراء. منذ أكثر من عقدين يخدعنا فوز المنتخب في مباراة واحدة بين سلسلة من الهزائم، أو التأهل إلى مناسبة بين سلسلة من الإخفاقات. ما لم ننتبه إليه أن مسار المنتخب هو الأكثر صدقا من الفوز والتأهل. ومن يتأمل مسار المنتخب لا يحتاج إلى انتظار صافرة الحكم، لأن صافرة النهاية بدأت قبل المباراة بوقت طويل. بدأت من المدرسة حين تحولت حصة التربية الرياضية إلى هامش يمكن الاستغناء عنه. ومن بعض الأفكار التي نظرت إلى الرياضة بوصفها مضيعة للوقت وغير نافعة في الدنيا ولا في الآخرة. بدأت من الأحياء التي اختفت ملاعبها لصالح العقارات، ومن الساحات الترابية التي صمتت بعد أن كانت تنجب اللاعبين بالفطرة. بدأت المباراة من اللحظة التي أصبح فيها الطفل السعودي يشاهد كرة القدم أكثر مما يلعبها، ويعرف أسماء النجوم أكثر مما يعرف كيف يمرر كرة. أكثر من هذا وأعمق بدأت المباراة من ثقافة اعتادت أن تبحث عن الحلول السريعة، فتغير المدرب، وتستبدل اللاعبين، وتعلن بداية جديدة بعد كل إخفاق، بينما تترك الأسباب العميقة كما هي. فالنتائج ليست إلا الثمار، أما الجذور فتبقى مدفونة تحت الأرض، لا يراها أحد حتى يحين موسم الحصاد. لقد نسينا أن المنتخب ليس أحد عشر لاعبا، بل هو الحصيلة النهائية لعشرات السنين من التربية والتعليم والثقافة والإدارة. ولذلك فإن ما نشاهده في تسعين دقيقة ليس إلا ما زرعناه على امتداد السنوات. لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه لا يتعلق بما يمكن أن يفعله منتخبنا أمام المنتخبات الأخرى، بل يتعلق بما فعلناه نحن طوال السنوات الماضية حتى وصل المنتخب إلى هذه اللحظة المؤلمة. فكرة القدم ليست مجرد لعبة، ولا مجموعة من اللاعبين يتناقلون الكرة، بل صورة مصغرة للمجتمع. والمنتخب لا يعكس مهارة اللاعبين فقط، بل يعكس نظرة مجتمعنا إلى الوقت، والعمل الجماعي، واحترام القانون، والانضباط، والثقة بالنفس، وإدارة الفشل، والاستثمار في المستقبل. ولذلك فإن مشاهدة المنتخبات قراءة لمجتمعاتها. يمكنني التأكيد على أن منتخبنا يشبه المرآة فهو لا يخلق وجوهنا، بل يكشفها. وما تكشفه هذه المرآة أن الانتصارات لا تُصنع في المدرجات، ولا في الملاعب ، بل تُصنع أولا في المدرسة، وفي طريقة مجتمعنا في تربية أطفاله، وفي الفكرة التي يحملها مجتمعنا عن قيمة الجسد، والعمل، والمنافسة، والانضباط. أما الأهم الذي تكشفه هذه المرآة فهو أن لحظة الهزيمة ليست بداية، وإنما خاتمة. وصافرة النهاية لا تعلن هزيمة منتخب، بل تكشف مسارا بدأ قبل ذلك، كالمثل الشعبي ليالي العيد تبان من عصاريها. 3 واحدة من أهم مشكلاتنا في قراءة ضعف المنتخب السعودي هي أننا نبحث عن السبب في اللحظة الأخيرة، بينما تكون الأسباب الحقيقية قد استقرت عميقا في المجتمع الذي أنتج المنتخب. نحمل المدرب المسؤولية، أو نحمّل اللاعبين. قد نلعن سوء الحظ كما لو أن ضعف منتخبنا وُلد مع صافرة بداية مباراة، بينما الحقيقة هي أن المباراة ليست سوى الامتحان الأخير لعملنا، وأن الاستعداد لهذا الامتحان استمر سنوات. لا ينهار المنتخب بخطأ تحكيمي، ولا بطرد لاعب أو خطئه. لا ينهار في تسعين دقيقة، بل يصل إلى هذه الدقائق حاملا معه نتائج سنوات من الخيارات التعليمية والثقافية والاجتماعية والإدارية. وما نراه في الملعب ليس سوى الفصل الأخير من مسرحية بدأت قبل ذلك بكثير. فالمنتخب ليس فريقا من أحد عشر لاعبا، بل هو الصورة النهائية للمجتمع . لذلك لن تستطيع الأموال، ولن يستطيع المدربون الأجانب، ولا المعسكرات الخارجية أن تخفي الهشاشة إلا مؤقتا. المنتخب ليس كيانا مستقلا عن المجتمع، بل بمقدوري القول بأنه التعبير الرياضي عن فلسفة ذلك المجتمع وفكره وثقافته. إنه قمة جبل الجليد الذي تقبع كتلته الحقيقية في المدرسة، والأسرة، والثقافة، والإدارة، وفي الطريقة التي يفكر بها المجتمع في الإنسان نفسه. لم تبدأ حلقات الضعف في الأندية، ولا في عدد اللاعبين الأجانب، ولا في ضعف المنافسة بين الأندية، بل بدأت في المدرسة، وفي هذا السياق أملك من الخبرة عقدين من الزمن زرت فيها مئات المدارس بمراحلها المختلفة. في كل هذه المدارس تحولت حصة التربية الرياضية إلى وقت ضائع، أو إلى فرصة لتعويض حصص المواد الأخرى، أو إلى ساعة فراغ لا تحمل أي قيمة تربوية. وفي المقابل وقد أوفدت للتدريس في الخارج، وهناك عرفت أن حصة التربية الرياضية مختبرا لاكتشاف المواهب، ومجالا لتعليم الانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس. أما في مدارسنا فأصبحت مجرد حصة هامشية لا يلتفت إليها أحد. إن الطفل الذي لا يتعلم كيف يركض في السابعة من عمره، لن يتعلمه حين يصبح لاعبا في السابعة عشرة، وحين لا يتعلم في المدرسة بذل الجهد والتنافس والمثابرة والمغامرة فلن يتعلمها داخل الملاعب الاحترافية. قد تنمو عضلاته بالتدريب. لكن الفوز لاسيما في كرة القدم يعتمد على الشخصية الرياضية التي تنمو بالتربية. 4 لم يكن هذا التهميش معزولا عن ثقافة مجتمعنا. ففي سنوات مضت حاربت تيارات فكرية حصة الرياضة، وعدّتها نوعا من اللهو الذي يستهلك الوقت فيما لا ينفع الإنسان في آخرته. ولم تبق هذه النظرة حبيسة الكتب أو الخطب الوعظية، بل تسربت إلى المدارس، وإلى وعي بعض معلميها. وبحكم كوني مشرفا مقيما لمئات من المدارس فقد تناقشت مع أكثر من معلم للتربية الرياضية، فوجدت أن بعضهم لا يرى في حصته رسالة تربوية، بل يكتفي بإلقاء الكرة للطلاب. لم يفعل ذلك كسلا أو ضعفا في التأهيل، بل لأن قناعته أن ما يقوم به عمل دنيوي لا وزن له، ولا قيمة حقيقية له إذا قورن بما يعتقد أنه ينفع الإنسان في الآخرة. فقدت هذه الفئة من معلمي التربية الرياضية إيمانها برسالتها التربوية، فقدت معنى أن الرياضة مهارة ومعرفة وسلوك ووجدان. وحين فقدت ذلك فقدت المؤسسة التعليمية جزءا من روحها. فلا معلم يستطيع أن يزرع في المتعلمين قيمة لا يؤمن بها هو نفسه. ولهذا فإن المشكلة لم تكن في حصة التربية الرياضية وحدها، بل في الفكرة التي كانت تقف خلفها؛ فكرة تفصل بين الدنيا والآخرة فصلا حادا، حتى يصبح بناء الجسد، أو تنمية روح المنافسة، أو تعلم الانضباط والعمل الجماعي، أمورا هامشية لا تستحق الجهد. تحدثت مع بعض هؤلاء عن أن الإسلام لم يبن على ثنائية الدنيا والآخرة. وأننا نحن الذين اخترعنا هذه الثنائية؛ فالإنسان في الإسلام كائن واحد، وما ينمي جسده ينمي شخصيته، وحين يتعود على احترام القانون داخل الملعب يتعود على احترامه خارج الملعب، وما يتعلمه في الملعب من التعاون والانضباط والإصرار لا يبقى حبيس الملعب، بل ينتقل إلى المدرسة والجامعة والعمل، بل إلى حياته كلها بما فيها عباداته اليومية ومدى التزامه بها. كنت أقول لهم إن الرياضة ليست نقيضا للقيم، بل يمكن أن تكون حصة الرياضة هي الصانعة للقيم. وحين نحترم هذه الحصة فنحن لا نحترمها لأنها غاية في ذاتها، وإنما لأنها تبني الإنسان قبل بناء الملعب، وأننا إذا ما نظرنا إلى حصة الرياضة بوصفها مضيعة للوقت، فسنكتشف أن ما أضعناه ليس الحصة، بل فرصة تكوين أجيال أكثر صحة، وانضباطا، وقدرة على العمل الجماعي. في هذا السياق الذي أتحدث عنه أصبح معلم التربية الرياضية أقل مكانة من معلم الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء، لا من حيث الكفاءة، بل من حيث نظرة المجتمع إليه. وحين يشعر المعلم نفسه بأن مادته ليست ذات قيمة حقيقية، فإنه يفقد الحماس، وتفقد المدرسة أحد أهم أدوارها في صناعة الإنسان المتوازن. إن المجتمع لا يهين الفرد فقط، بل قد يهين الوظائف نفسها. وعندما تُهمل وظيفة معلم الرياضة سنوات طويلة، فإن أول الضحايا ليس المعلم، وإنما الأجيال التي حُرمت من اكتشاف قدراتها البدنية مبكرا. ربما انتهى هذا الخطاب أو بالأحرى تراجع كثيرا، لكن الأفكار لا تغادر المجتمع بمجرد أن يتوقف أصحابها عن ترديدها؛ فهي تترك آثارها في المؤسسات، وفي ترتيب الأولويات، وفي نظرة الناس إلى الوظائف، وإلى التربية، وإلى الإنسان نفسه. ولهذا فالخسارة في ملعب كرة القدم، هي خسارة أولا وأخيرا خسارة في وعي اللاعبين. فاللاعب ليس جسدا يركض بلا عقل. وهناك وحدة بين الاثنين. ولذلك لم يكن الإغريق يفصلون بين التربية البدنية والتربية العقلية، لأن بناء الإنسان كان عندهم مشروعاً واحدا. 5 ثم تأتي مشكلة أخرى ، وهي اختزال النجاح الرياضي في الاحتراف، بينما الاحتراف هو الحلقة الأخيرة، وليس الأولى. فالدول الناجحة رياضيا لا تبدأ من عقود اللاعبين، بل تبدأ من الملاعب المدرسية، ومن البطولات المحلية للأشبال وللشباب، ومن اكتشاف الموهوبين في سن مبكرة، ومن برامج التغذية الصحية والطب الرياضي المتقدم، ومن آلاف المدربين في المدارس والأكاديميات الذين يعملون بعيدا عن الأضواء. أما حين يبدأ التفكير عند اللاعب كما عندنا وهو في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، فإن الفرصة قد ضاعت بالفعل، لأن كرة القدم الحديثة تعتمد على البناء من الطفولة. قبل الخطط العلمية لتطوير الرياضة لاسيما كرة القدم، كان مجتمعنا يطورها بطريقته الخاصة. فجيل المنتخب الذهبي مع مونديال 1994، لم يبدأ في كأس العالم بل بدأ قبله بسنوات. جيل قاده ماجد عبدالله ومحمد عبد الجواد، ثم ازدهر بيوسف الثنيان، وسعيد العويران، وسامي الجابر، ومحمد الدعيع، وخالد مسعد، وفؤاد أنور، وفهد الغشيان، وأحمد جميل، ومحمد الخليوي، وغيرهم من الذين صنعوا العصر الذهبي للكرة السعودية. لم يكن هؤلاء أبناء أكاديميات حديثة، ولا برامج إلكترونية، ولا ملاعب مزروعة. كانوا أبناء الأحياء التي تنتج لاعبين بالفطرة؛ أبناء الساحات الترابية، والمباريات اليومية، والمنافسة المستمرة، والاحتكاك الدائم. كانوا يلعبون لأنهم يحبون اللعب، لا لأن لديهم حصة تدريبية تنتهي بعد ساعة. تعلم هؤلاء من عثرات تلك الميادين ونجاحاتها أهم درس في كرة القدم وهو أن الخطأ ليس عارا، بل مرحلة من مراحل التعلم. يخطئون اليوم ليصححوا غدا، ويخسرون مباراة ليكسبوا عشر مباريات بعدها. هل يتذكر القارئ (هدف المغرب) في ملاعب الحارات. فكرة هذا الهدف ليست مجرد قاعدة للعبة، بل فلسفة كاملة عن الزمن والأمل. قد تكون خاسرا بتسعة أهداف مقابل لا شيء، لكن إذا سجلت (هدف المغرب) فأنت الذي تفوز. لم يكن أحد يسأل عن منطق هذه القاعدة، لكنها كانت تحمل منطقا عميقا جدا وهو أن المباراة لا تنتهي إلا عندما يتفق الجميع على أنها انتهت، وأن الأمل يمكن أن يقلب تاريخ المباراة في لحظة واحدة. هذه القاعدة الشعبية تعلم الأطفال شيئا لا تعلمه المدارس ولا الأكاديميات. ألا نستسلم، وأن نستمر في اللعب مهما كانت النتيجة، وأن الهدف الأخير قد يكون أهم من الأهداف التسعة السابقة. وعلينا نظل نركض حتى اللحظة الأخيرة، لأن المباراة ليست حسابا رياضيا، بل مساحة لإنتاج الأمل. ربما كان هدف المغرب أجمل اختراع فلسفي في ملاعب الطفولة؛ لأنه كان يمنح الخاسر سببا إضافيا للاستمرار. كل هدف له القيمة نفسها، والدقيقة الأولى لا تقل أهمية عن الدقيقة الأخيرة، والفوز الحقيقي ليس أن تمحو الهزيمة في لحظة، بل ألا تسمح للهزيمة أن تتراكم حتى تحتاج إلى معجزة. لم يكن أحد في ملعب الحارة يطالب بالكمال، ولذلك تطور اللاعب وهو يملك شجاعة القرار، وجرأة المبادرة، وثقة التجربة. ولهذا لم تكن مراوغة سعيد العويران التاريخية أمام بلجيكا معجزة نزلت من السماء، بل الخلاصة الطبيعية لآلاف المراوغات التي جربها في ساحات الأحياء الترابية. ولم تكن لمسة يوسف الثنيان الساحرة موهبة معزولة، بل ثمرة سنوات من اللعب الحر الذي لا يعرف الخوف. ولم تكن قيادة ماجد عبدالله لخط الهجوم مجرد موهبة فردية، بل نتاج ثقافة كروية صنعت اللاعب قبل أن تصنع الفريق. وكذلك أناقة محمد عبد الجواد، وصلابة محمد الدعيع، وذكاء سامي الجابر، وحيوية خالد مسعد، وقوة فؤاد أنور. كان ذلك جيلا لعب الكرة بقلبه ولم يتدرب عليها بقدميه. عاشها قبل أن يحترفها، ولذلك كان أكثر جرأة، وأكثر تلقائية، وأكثر قدرة على الإبداع. أما اليوم فقد تقلصت الساحات، واختفت مباريات الأحياء، وحلت الشاشة محل الملعب، والمشاهدة محل الممارسة، وأصبحنا ننتج متابعين لكرة القدم أكثر مما ننتج لاعبين لها. وربما هنا يبدأ الفرق الحقيقي بين جيل صنعته الملاعب الترابية، وجيل تصنعه الشاشات. لست مدربا، ولا أدعي أنني خبير بخطط اللغب. لكنني شعرت وأنا أشاهد المنتخب أمام إسبانيا أن لاعبينا يخشون فقدان الكرة أكثر مما يجرؤون على التقدم بها. يلعبون وكأن الخطأ جريمة لا تُغتفر، وليس جزءا طبيعيا من اللعبة. وهذه مشكلة ذهنية وثقافية. فالخوف جعل الكرة عبئا على لاعبينا ينبغي التخلص منه، وليست إمكانية ينبغي استثمارها. كنت أشعر أن كل لاعب تصله الكره يسأل نفسه كيف أتخلص منها بأقل قدر من المسؤولية، والحل تشتتيها قبل أن تتحول إلى مسؤولية شخصية. لا ينتج الخوف من الخطأ لعبا أكثر أمانا، بل ينتج لاعبا أقل إبداعا، يؤجل الخسارة. ولا يدفع إلى الفوز. فالأمر لا يتعلق بالنقص في المهارة فقط، بل الخوف من الخطأ، وعدم تحمل المسؤولية، وانعدام الثقة بالنفس، وبالفكرة، وبالزملاء، وإذا ما أردنا أن يتعلمها اللاعب فعلينا أن نبدأ من التربية. 6 في الواقع نحن نعيش مفارقة تستحق التأمل؛ فعدد متابعي كرة القدم عندنا في ازدياد، وفي كل موسم من المواسم الأخيرة تجاوز عدد الحاضرين في الملعب المليون مشجع. لكن عدد الذين يمارسون الكرة فعلا تراجع في مدننا وقرانا. أنا أسكن في حي لم أر على مدى سنوات أي أطفال يلعبون الكرة. لذلك أصبحنا ننتج جمهورا أكثر مما ننتج لاعبين. وهنا فكرة مهمة جدا يجب أن تؤخذ في الاعتبار وهي أن إعداد جيل جديد يجب أن يختلف عن إعداد الجيل الذي سبقه لاسيما ونحن في عصر الاستهلاك؛ عصر يتحول فيه الإنسان من صانع للأشياء إلى مستهلك لها، ومن مشارك في الحياة إلى متفرج عليها. فحلول كرة القدم ليست حلولا رياضية في المقام الأول، بل حلولا مجتمعية تتعلق بالأسرة والمدرسة والحي وفضاء المجتمع العام. لن تحل مشكلتنا بالحديث بعد كل إخفاق؛ مثلا تغيير المدرب، كما لو أن المشكلة تقنية فقط. بينما الحقيقة أن المدرب يعمل على الثمار، أما الجذور فتوجد في التعليم، والثقافة، والإدارة. وهنا تكمن مشكلة أعمق من كرة القدم نفسها، وهي أننا نحاول إصلاح النتائج بدلا من إصلاح الأسباب. نميل إلى تغيير الوجوه لأن تغيير البنية أصعب، وإلى البحث عن بطل ينقذ المشهد، لأن مراجعة الأفكار تحتاج إلى شجاعة أكبر. لكن التاريخ الرياضي لمنتخبات أخرى كنا الأفضل وتجاوزتنا يعلمنا أن البناء لا ينهض بتغيير الأشخاص وحدهم، وإنما بتغيير المؤسسات التي تصنع الأشخاص، والاستثمار في الزمن، وليس في النتائج. وأن تجهيز اللاعب يستغرق عشر سنوات، وليس عشرة أشهر. اتؤمن بالتراكم، ولا تؤمن بالمفاجأة. التطوير الرياضي لا يعمل بالمفاجآت إلا نادرا، أما القاعدة فهي أن النتائج تشبه مقدماتها. وليس من قبيل المصادفة أن الدول التي تمتلك تعليما قويا، ورياضة مدرسية واسعة، ومجتمعا يشجع النشاط البدني، هي نفسها التي تتكرر أسماؤها في البطولات العالمية. فالعلاقة بين التعليم والرياضة ليست علاقة مصادفة، بل علاقة بنيوية؛ لأن كليهما يقوم على الانضباط، والتدرج، والصبر، والعمل التراكمي. إن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس لماذا خسر المنتخب؟ بل أي مجتمع صنع هذا المنتخب؟ لأن إصلاح كرة القدم لا يبدأ في الاتحاد الرياضي وحده، ولا في غرفة المدرب، ولا في سوق الانتقالات، وإنما يبدأ من المدرسة، ومن حصة التربية الرياضية، ومن احترام معلم الرياضة، ومن إعادة الاعتبار إلى النشاط البدني باعتباره جزءاً من بناء الإنسان، لا ترفاً يمكن الاستغناء عنه. أما حين ينظر المجتمع إلى الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص على أنها صناعة للإنسان قبل أن تكون صناعة للاعبين، عندئذ سيصبح المنتخب نتيجة طبيعية لذلك، من دون أن ننتظر معجزة جيل استثنائي أو مدرب عبقري.