في كتاب محمد أبو الغار عن « الوباء الذي قتل 180 ألف مصري»..

كيف ساهم الإحتلال الإنجليزي في تهيئة مناخ الموت.

الدكتور محمد أبو الغار أحد العلماء في طب النساء والولادة، وله إنجازات بحثية في مجاله نالت تقديرا على مستوى عالمي، وعلاوة على ذلك فهو يتمتع بوعي اجتماعي رفيع المستوى، وله اهتمام بالعمل العام ميزه عن الكثير من زملائه، ولذا فإنه كان بين القلائل الذين يمكنهم الكشف عن هذه الحقبة المنسية من تاريخنا الاجتماعي. كان وباء كورونا نازلة أضرت بالعالم، خاصة وقد جاءت بعد أن طال العهد بالوبائيات السابقة التي أتت في كل مرة على نسبة عالية من سكان الكرة الأرضية.  أدت جائحة كورونا إلى أن استعادت البشرية ذكرياتها عن وبائيات مشابهة مثل الإنفلونزا الإسبانية، خلال بحث الكاتب لفت نظره شراسة هذا الوباء، فقد قصف أرواح عدد كبير من البشر منهم المشاهير الذين سمعنا عنهم لشهرتهم، ومنهم ملايين لم يظهروا على شاشة الذاكرة البشرية. ممن توفي بهذا الوباء مارك سايكس السياسي البريطاني الذي قسم العالم العربي، مات في سن ٣٩ سنة، ومات به جون دودج صاحب مصنع دودج للسيارات، وكذلك الأمير تركي الأول بن عبد العزيز، الإبن الأكبر للملك المؤسس، وكذلك الشاعرة ملك حسني ناصف إحدى القيادات النسائية المصرية، وممن أصيب بالداء وتعافى رئيسان أمريكيان هما ويدرو ويلسون، وفرانكلين روزفلت، وكذلك المهاتاما غاندي، ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا والإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي.  طرح السؤال نفسه على المؤلف عن تاريخ هذا الوباء في مصر، خاصة وأن الوباء كان قد انتشر خلال الحرب الكونية الأولى، ومصر كانت إحدى الدول التي عملت فيها جيوش بريطانيا، وهذه الجيوش هي التي استقطبت جهودا صحية كبيرة لحمايتها من الوباء كونها الأكثر تعرضا للخطر، لم يجد إلا إشارات قليلة عن ذلك في كتب المؤرخين المصريين الذين كتبوا عن تلك الفترة. ولكن المؤلف راجع أعداد صحيفتي الأهرام والمقطم (المقربة من الإنجليز) خلال الفترة التي اشتد فيها المرض والتي استغرقت ستة أشهر، فوجئ أن الصحيفتين قد غطتا أخبار هذا الوباء، دهشة الكاتب جاءت بسبب أن المخابرات البريطانية والألمانية قد منعتا النشر عن الإنفلونزا الإسبانية حرصا على الروح المعنوية للجنود. الصحف المصرية نشرت بكثافة وفي الصفحات الأولى أخبار الإنفلونزا الإسبانية، تحدثت بالتفصيل عن حجم انتشار المرض وأماكن تواجد المصابين وأعدادهم، وعدد الوفيات في كل منطقة، كما تحدثت عن المرض وأعراضه وطرق الوقاية منه، وما قامت به الحكومة من اجراءات لتطويق المرض، كذلك نشرت مقالات لأطباء يتحدثون عن المرض، ونشرت الكثير من أخبار الإنفلونزا في العالم.  وبمراجعة الأرشيف الطبي البريطاني ظهر أن أحد البحاثة (كريستوفر روز)، قد رصد عددا ضخما من الموتى في مصر بسبب هذا الوباء، بل وربط بين انتشار هذا الوباء، وضعف مناعة المصريين بسبب الفقر وسوء التغذية وسخرة الفلاحين المصريين في فيلق العمال المصاحب للجيش الإنجليزي.  إثر ثورة ١٩١٩ في مصر ضد الإحتلال الإنجليزي أرسلت بريطانيا وزير المستعمرات لورد ميلنر ليحقق في أسباب ثورة المصريين التي كانت ثورة شاملة، نشط فيها سكان المدن والفلاحون، وكانت مشاركة الفلاحين خارج المدن الرئيسية لافتة للنظر. أقام ميلنر أشهرا في مصر، يبحث عن الأخطاء التي وقع فيها الإنجليز في مصر وأدت للثورة، وضمن ما أورده الكتاب من وثائق تقريرٌ للدكتور ويلسون يفصل فيه عن وباء الإنفلونزا الإسبانية في مصر. والتقرير محفوظ في دار الوثائق البريطانية، وقد حصل عليه المؤلف باتصالاته مع مكتبة جامعة تكساس، استغرق مفصلا مئات الصفحات.   الفصل الأول يقدم ملخصات لتاريخ الأوبئة، تلك التي تسببت في كوارث إنسانية خطيرة أبادت ملايين البشر، ومن هذه الأوبئة الطاعون والجدري، والملاريا والحمى الصفراء، والتيفوس والحمى الراجعة، والجذام والزهري والإنفلونزا. تنتقل العدوى عن طريق الجهاز التنفسي، أو عن طريق الفم أو الحشرات والحيوانات والإتصال الجنسي. وقد ساهمت التطورات في مجال النقل في سرعة انتشار العدوى عبر الكرة الأرضية، نقل الأوروبيون الأوبئة وعلى رأسها الجدري من إسبانيا إلى أمريكا الجنوبية عام ١٥١٨م ، وإلى المكسيك عام ١٥٢١، وأدت هذه الأوبئة إلى فناء ٩٠% من شعوب الأمريكتين، أصبح عدد سكان القارتين عام ١٦٣٠ ٧% فقط من عددهم قبل مئة عام. وهذا يدلل على مقدار الحكمة في الحديث النبوي «إذا سمعتم الطاعونَ بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها “. ولا شك أن هذا الحديث أساس لتطويق الأوبئة. أدت الإجراءات الصحية التي سادت في المجتمعات الحديثة إلى تقليل مخاطر الأوبئة، ومن أهمها تحسن نوعية التغذية، وتوفر المياه النظيفة والأخذ بوسائل التعقيم، والصرف الصحى.   كذلك كان تطبيق العزل عبر الكرنتينا (الحجر الصحي) أحد الإجراءات المهمة لتطويق مرض الكوليرا الذي انتشر في العالم قادما من الهند وانتقل إلى مصر من خلال الحجاج، كما تم تطبيق إجراءات صحية لدفن الموتى، وتحديد أماكن الدفن بدلا من عادة قديمة لدفن الموتى في بيوتهم. والغريب أن سياسات بعض الدول كانت غير جدية في موضوعات العزل الصحي حرصا على استمرار الإنتاج الزراعى والنشاط التجاري. وبالمقابل فإن الاحتلال الانجليزي عمل على تحسين البيئة الصحية في مصر، حرصا على صحة موظفيه وجنوده، وحرصا على الإنتاج الاقتصادي ومردوده المفيد على الدولة البريطانية مثل إنتاج القطن وما يشبهه. ولكن ما حدث أنه خلال الحرب العالمية الأولى ( ١٩١٤-١٩١٨) تضائلت ميزانية الصحة الوقائية، وتم إلحاق معظم أطبائها بالجيش الإنجليزي، وقد نجح هؤلاء الى حد كبير في حماية أفراد الجيش البريطاني من الأوبئة وسائر الأمراض، ولكن ذلك كان على حساب الشعب المصري، فإنه قد تعرض لشبه مجاعة، ضاعفها ارتفاع أسعار الغذاء وانخفاض دخل الفلاح مما أدى إلى سهولة إصابته بالأمراض والأوبئة. يظهر ذلك بوضوح من خلال تقرير الكولونيل كاثكارت جارنر المدير العام البريطاني للصحة الوقائية في مصر عام ١٩١٨ م، وقد ذٌكر في التقارير البريطانية أن الوفيات بين المصريين بسبب الوباء كانت أربعة أضعاف الوفيات بسبب الحرب، وفي تحليل لدخل المصريين مقارنة بحاجاتهم للغذاء نجد أن دخل الفلاح وساكن المدينة كان لا يكفي لتغطية ثلثي حاجاته من الغذاء الصحي والكافي، وقد أدى انخفاض نسبة البروتين في الغذاء إلى إضعاف مناعة الجسم والهزال الذي جعلهم عرضة للوفاة بسبب الوباء أكثر من غيرهم. وهذا يفسر مشاركة الفلاحين في ثورة ١٩١٩، فقد قاموا بتحطيم قضبان السكة الحديد حتى تبقى منتجاتهم من القمح بين أيديهم بدلا من بيعها بسعر غير مجز للسلطات البريطانية، كما يفسر تراخي رجال الشرطة وموظفي السكة الحديدية في التصدي لهذه المظاهرات. ثورة ١٩١٩ م التي عززتها ثورة الفلاحين كانت تدور حول مطالب سياسية كالحرية والدستور، وافتقرت للبعد الاجتماعي مما جعل استثمار ثورة الفلاحين لتصحيح الظلم الذي تعرضوا له أقل مما يجب، وفي الكتاب جداول واحصائيات كثيرة تعزز الاستنتاجات التي أشرنا إليها، يعلق د كريستوفر روس على الأحداث بأن الانفلونزا الإسبانية كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد أتت بعد أربع سنوات من سوء التغذية والجوع والمرض. كان الفلاحون المصريون يؤخذون سخرةً للعمل في فيلق العمال الملحق بالجيش الإنجليزي، وهو ما أدى إلى انخفاض عدد الأيدي العاملة في الريف، كذلك انخفض عدد الجمال في الريف بسبب شرائها لتعمل في حاجات الجيش، إذ تم شراؤها بسعر أقل من السعر الذي بيعت به بعد سنوات من استخدامها، وأدى ذلك إلى مشاكل تتعلق بنقل البضائع في الريف، أيضا استولى الجيش على عدد كبير من الحمير والبغال والخيول مما فاقم من مشكلة النقل. وهكذا انخفضت كمية المحاصيل المتاحة في السوق، كما أُجبر الفلاحون على بيع المحاصيل للجيش بأسعار منخفضة واحتكرت السلطات شراء محصول القطن. يرى الكتاب أنه بهذا التصرف قد تم تحميل جزء من تكاليف الحرب على الفلاحين. خاصة وأن كميات كبيرة من محاصيل القمح المصري كان يتم تصديرها إلى أوروبا لتعويضها عن نقص الغلال. يعتقد جولدبيرج صاحب البحث المهم “ثورة الفلاحين في مصر ١٩١٩” أن إدعاء بريطانيا بأن الإنتاج الزراعي في مصر قد زاد خلال العقدين الأولين من القرن العشرين غير صحيح، فإن استهلاك الفلاحين من الغذاء قد انخفض برغم مزاعم البيروقراطية البريطانية.       رغم شراسة الوباء إلا أن مسببه لم يكن قد حدد عند انتشاره في العالم  و لم يتم تحديده الا عام ١٩٩٠، وذلك بعد أخذ عينات من جثث دُفنت تحت جليد القطب المتجمد، وكانت تلك المحاولة الثانية بعد المحاولة الأولى عام ١٩٥١م. وتبين أن المسئول هو فيروس H1N1  ، ويعتقد انه تحور من انفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير ليصيب الإنسان، ولا ذنب لاسبانيا في الوباء، فقد نُسب الوباء لاسبانيا حيث كانت تعلن عن الاصابات بالمرض، لأنها كانت ملتزمة بالحياد خلال الحرب العالمية الأولى أما الدول المتحاربة فكانت تتكتم على وجود إصابات. أظهرت وباء الكورونا أن الميكروبات لا زالت قادرة على التسبب في تدمير الحياة البشرية، وأننا لم نصل إلى معرفة كل أنواعها. وأن الإنفاق بسخاء على الطب الوقائي أجدى من الإنفاق على الأسلحة والحروب.