عزيز ضياء ..

رائد من رواد الثقافة والأدب ومؤرخ ثقافي واجتماعي .

خطر ببالي - وأنا أطالع ما كتب عن الشيخ حمد الجاسر الذي احتفت به اليمامة بوصفه المؤسس لها، ولأنه أحد رموز النهضة الصحفية و الثقافية السعودية،فكان مبادرا ورائدا - أن نولي جيله من الرواد بعضاً من اهتمامنا الذي طغى عليه منجز الجيل المعاصر في فنون الأدب - بوصفهم الرموز التي شقّت الطريق أمام أجيال من المثقفين والأدباء والنقاد ، وتداعى إلى ذهني ما قام به عزيز ضياء و عبدالقدوس الأنصاري وأحمد السباعي و أحمد عبدالغفور عطاروعبدالله بن خميس و عبدالكريم الجهيمان في المجال الأدبي فكان محمد حسن عواد مؤصّلاً لحركة التجديد في الشعر مع كوكبة من الشعراء ، مثل حمزة شحاتة و محمد حسن فقي و طاهر زمخشري،وحسين سرحان وحسن عبدالله القرشي، و كان عبدالقدوس الأنصاري و أحمد السباعي و عزيز ضياء وحامد دمنهوري روّاداً في مجال السّرد ، و وجدت أن الأقرب إلى الشيخ العلامة حمد الجاسر في مجال الصحافة و الإعلام و الريادة في مجالات متعددة عزيز ضياء فعمدت إلى الاطلاع على سيرته ومنجزه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. Bottom of Form ولعل التصدي للكتابة عن عزيز ضياء وجيله من الكتاب الروّاد في المملكة العربية السعودية أمر يقتضيه تأصيل الثقافة الوطنية و العربية ، والتأريخ لها واستكشاف بنيتها الفكرية والأدبية ودورها في التأسيس لحركة النهضة في هذا الوطن الكبير الممتد من الخليج إلى المحبط ، إذ يُعدّ عزيز ضياء رائداً من رواد النهضة الثقافية في سماتها التحديثية ، فضلاً عن شمولية المُنجز الذي حقّقه في مختلف مجالات الكتابة وحقول المعرفة ، فكان كاتباً وناقداً ومترجماً وإذاعيّاً و صحفياً واسع الثقافة ، فقد كان بروزه في مرحلة انتقاليّة حرِجة على مستوى العالم وفي سياق التاريخ العربي الحديث ، فقد كان مولده في المدينة المنورة وهي محطٌّ الانظار و منطلق الوقائع و التحوّلات ؛ فقد تزامن مولده مع الحدث العالمي الأكبر في الحرب العالمية الأولى التي كانت بداية للتحولات الكبرى التي عصفت بالعالم و بالمنطقة العربية على وجه الخصوص، إذ بدت الحجاز مسقط رأسه فضاءً واسعاً مفتوح الأبواب للحجيج من مختلف أنحاء العالم الذين يحملون ثقافات مختلفة ويتحدّثون بلغات متعدّدة وينتمون إلى حضارات متباينة ،ما أتاح له الاّطلاع الموسوعي على ألوان من الثقافات واللغات، والتقاليد فاتّسعت به آفاق المعرفة ؛ ولكن اللغة العربية ظلت ذخيرته الثريّة التي ألمّ بها و بقواعدها وتراثهاو بلاغتها دون أن ينغلق عليها ويوصد الأبواب دونها ؛فانطلق ينهل من معين التراث الإنساني منفتحاً على مختلف الآفاق الثقافيّة ممسكاً بزمام الإنجليزيّة قارئاً ومترجماً ومطِلّاً من نوافذها على ميادين المعرفة في مختلف أنحاء الأرض ، متجاوزاً المجالات الشائعة التقليديّة في الآداب الكلاسيكية في القصة القصيرة والمسرح والترجمة والمقالة و الفكر السياسي . وقد وجد عزيز ضياء في فنون السرد متسعاً للتعبير عن أفكاره ورؤاه ؛ إذ عُدًّ من رواد فن القصة القصيرة ؛ حين عمد إلى تعزيز مكانتها الأدبية عبر إلمامه بجمالياتها ومقوماتها الفنّية ، وتُذكر قصته “الابن العاق” بوصفها من النصوص المبكّرة جدًا في تاريخ القصة السعودية الحديثة ، ومن المعروف أن البيئة العربية الأدبية لم تكن تحفل كثيرا بفنون السرد باعتبار أن الحكاية فن شعبي يتداوله العامة،وهذا مادفع محمد حسين هيكل إلى اصطناع اسم مستعار حين نشر روايته الأولى (زينب) بقلم مصري فلاح ؛ من هنا اعتبر اهتمام عزيز ضياء بهذا الفن إنجازاً يحسب له بوصفه رائداً مهّذد الطريق أمام كُتّاب القصة القصيرة ليتبوؤا مكانتهم في الساحة الأدبية . ولم يكن عزيز ضياء مهتما بالإبداع الأدبي فحسب ؛ بل كان ناقداً ذوّاقة للأدب ملما بفنونه متتبّعا لكتابه ؛ إذ احتفى بالشاعر حمزة شحاتة بوصفه ظاهرة إبداعية شاعراً و مفكّراً ، فقد بدا معنيّاً بالجمال الفني فضلاً عن المحتوى الفكري ؛ فقد رسّخ فكرة المنهج القائم على التتبّع الدقيق للظواهر الأسلوبية و الفنّية في النّص ؛ ولم يكن مجرد ناقد انطباعيٍّ شارحٍ أو مقتصر في مجال النقد على التفسير وتسجيل الانطباعات الذاتية ، وكان بطبيعة الحال مهتماً بالسياق يربط بين الكاتب وتجاربه الذاتيّة وبيئته الأدبية وعصره ، وربما كان من المبالغة بمكان أن ننسب لكاتب بعينه - مهما كانت قيمته الأدبية - صقل الذوق الجمالي النقدي لدى جيل بأكمله من النقاد كما ذهب إلى ذلك بعض مؤرخي الأدب . ولعل من أبرز إنجازات عزيز ضياء الثقافية اشتغاله بالترجمة؛ فقد ترجم عددًا من الأعمال والقصص من الأدب العالمي، وعرّف القارئ العربي والسعودي بأسماء وتجارب سردية أجنبية، وأهمية هذا الجانب لا تكمن في عدد الترجمات فقط، بل في دلالتها الثقافية؛ فالترجمة عند جيل الرواد كانت فعلاً تحديثيّاً ثقافيّاً، ووسيلة لتربية الذائقة النقديّة ، ونقل أشكال فنية جديدة إلى البيئة الأدبية المحلية. ومما لاشك فيه أن ترجماته أسهمت في الانفتاح على الآداب العالمية ، والتعريف بما طرأ على الفنون الأدبية من تطوّر وما استحدث من فنون ؛ ولعلي لا أختلف كثيرا مع من ذهب إلى أن عزيز ضياء بدا وكأنه جزء من مشروع ثقافي يسعى إلى صقل الذوق الأدبي لدى معاصريه من الشداة في هذا المضمار إلى المختصين فيه ؛ ليس هذا فحسب ؛بل إنه - انسجاما مع طبيعة المرحلة - كان ممّن أسهموا في ترقية الذوق وصقل المعرفة وتطوير الأداء لجيل كامل من معاصريه ومن تلاهم فيما بعد؛ فكان إعلاميّاً متميّزاً مذيعاً وكاتباً صحفيّاً ؛قد عمل في الإذاعة السعودية معلقًا سياسيًا لسنوات طويلة، وكتب في الصحافة منذ البدايات المبكرة للصحف السعودية؛كما ارتبط اسمه بصحف بارزة مثل “صوت الحجاز”، و“المدينة”، و“عكاظ”، وأسهم في الحياة الصحفية والإعلامية بوصفه كاتبًا ومحررًا وصاحب موقف. و يُعدّ كتابه “حياتي مع الجوع والحب والحرب” سفر تاريخي له خصوصيته النابعة من المعاناة الذاتية في ارتباطها بما أفرزته المرحلة التاريخية ، ولعل هذه السيرة التي أغفل الكثيرون الحديث عنها في حين أنها لا تقل أهمية عن (أيام ) طه حسين و(سجن العمر ) لتوفيق الحكيم ؛ بل ربما تتفوق عليها فقد قرن فيها الذاتي بالموضوعي والفردي بالجمعي والتاريخي بالواقعي ، ولعلها تذكّرنا على نحو أوضح بالسير الذاتية التاريخية الكبرى التي تعدّ من أبرز نصوص السيرة الذاتية السعودية، وأهمية هذا العمل تكمن في أنه لا يقدم حياة فردية فحسب، بل يوثق مرحلة كاملة من تاريخ الحجاز والمجتمع السعودي في تحوّلاته المبكرة؛ فهو يجمع بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الاجتماعية، وبين السرد الذاتي ووصف التحولات الكبرى التي عاشتها البلاد. وفي هذه السيرة تتجلّى موهبة عزيز ضياء الأدبية إذ استطاع أن يحول سيرته الذاتية إلى سردية إبداعية تتفاعل فيها حقائق التاريخ مع نيضات الوجدان واستشرافات الفكر ووثائقية النهج، فتلاقحت فيها العناصر الذاتية و الجمعية،وتسامى أسلوبها ليجمع بين دقة التعبير والتوثيق ونبض القلب وشفافية الحسّ و الشعور ومغالبة التحديات والصبر على إكراهات الواقع وقهر الظروف ؛ فكانت نصّاً إبداعياً من طراز فريد ، يجمع بين ثراء المعرفة وشفافية الوجدان.، وإذا مضينا بعيداً في تحرّي الدور الذي نهض به عزيز ضياء في التأصيل الثقافي و الريادة النهضويّة فلن تعيينا الحيلة و لن تخذلنا الشواهد ، فهو قاصٌّ متمكن مجدد ومؤصّل ، وإعلامي مفوّه ومُحرّر ماهر وكاتب مقالة لا يُشق له غبار في الريادة التي جعلت من المقالة فنّاً ، وهو مترجم عابر للحرفة مُخصب للنص المترجم ، وكاتب سيرة وفق الأصول الفنّية التي عمل على تجاوزها فأثرى جمالياتها وأخصب محتواها ، وهوإداريّ مؤسس و منشيء ، ودوره في بناء صرح النادي الأدبي الثقافي في جدة معلوم وموثوق قراءة في كتابه : حياتي مع الجوع و الحب و الحرب: يُعَد كتاب (حياتي مع الجوع والحب والحرب) لعزيز ضياء واحدًا من النصوص السيريّة البارزة في الأدب السعودي الحديث؛ لأنه لا يقدّم سيرة فردية مغلقة على صاحبها، بل يفتح حياة المؤلف على تاريخ واسع في مساحته الجغرافية و التاريخيّة ، وذاكرة جيل، وتحولات مجتمع عاش بين نهاية العهد العثماني، ومأساة الحرب العالمية الأولى، ووقائع التهجير، وبدايات التشكّل الاجتماعي والسياسي الحديث في الحجاز؛ فالكتاب سيرة ذاتية في ثلاثة أجزاء، ترصد طفولة عزيز ضياء المبكّرة في المدينة المنوّرة، ثم انتقاله مع أسرته إلى الشام في ظروف الحرب، ثم عودته إلى الحجاز وما تلا ذلك من تجارب التعليم والعمل والتكوين الثقافي. وليست قيمة هذه السيرة في أنها تحكي حياة أديب سعودي معروف فحسب، بل في أنها تجعل من السيرة الذاتية وثيقة إنسانيّة واجتماعية؛ فالمؤلف لا يكتب تاريخه الخاص بمعزل عن التاريخ العام، وإنما يروي التاريخ من الداخل: من عين طفل يرى الجوع، ومن قلب يتيم ينتظر أبًا لا يعود، ومن ذاكرة مدينة تفرّق أهلها في المنافي؛ ولذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه نصًا يقع بين السيرة الذاتية والتاريخ الاجتماعي والشهادة على عصر بأكمله إذ يمكن تحليل العتبة الأولى ممثّلة في العنوان الذي يحمل ثلاث كلمات محوريّة: (الجوع، الحب، الحرب) تشير سيميائيّاً إلى علامات استقرّت في وعي المؤلف منذ الطفولة؛ فالجوع تجربة وجودية لامست صميم كينونته البشرية جسداً وروحاً وكشف هشاشة الروح الإنسانية أمام متطلبات الجسد المادية و وأبانت أن الحب ليس علاقة عاطفية عابرة؛ بل طاقة وجدانية تحرص النفس من الانهيار أمام عاتيات الزمان ، تحفظ النفس ، وذلك بأشكاله المختلفة حب الأم، حب المدينة، حب الحياة ، أما الحرب فهي بمثابة الزلزال الذي يهدّأركان الوجود ، وتحوّل الواقع إلى ذكريات، والبشر إظلى حطام . في مقدمة الكتاب، يبدو عزيز ضياء واعيًا لصعوبة كتابة الذات؛ فهو يتساءل: ماذا في حياة الإنسان العادي مما يستحق أن يُكتب؟ لكنه سرعان ما يجيب عمليًا بأن حياة “الصغار” و”العاديين” قد تكون أصدق تعبيرًا عن التاريخ من حياة الأبطال والملوك. فهو لا يزعم البطولة، بل يعلن أن سيرته هي سيرة الألوف والملايين ممن لم يدخلوا كتب التاريخ، لكنهم حملوا آثاره في أجسادهم وذاكرتهم. ففي مقدمة الجزء الأول المعنونة ب (ولدي) يخاطب ولده قائلا (ربما رفت على شفتيك ابتسامة حيية وأنت تقرأ هذه السطور لتمهد بها إلى سؤال تتوق إلى أن تسمع مني الإجابة عليه ، وهو : ماهي البواعث التي تحملني على الكتابة عن حياتي” حيث يتخذ من هذا السؤال منطلقا للإجابة عليه عبر الأجزاء الثلاثة التي ضمت سيرته الذاتية ، التي يروي فيها كما يقول : قصة التفتح للحياة وسط الخرائب و الأنقاض (كما تتفتح زهرة يتيمة وسط حقل مهجور ) لقد بدت سيرته رحلة طويلة من الممدينة المنورة إلى دمشق ومن الشام إلى حماة ، وكذلك الرحلة السوداء للأسرة بعد سرقة اللصوص لمحتويات البيت ، ومعاناة فقد الأخ و السفرإلى حلب ، ومقاساة الألم مع المرض بحمى التيفوس و موت الجد والوقائع التاريخية، و دخول جيش الشريف السرايا في حلب وسقوط الخلافة وتفاصيل كثيرة في رحلة الأحزان ؛ إنها الرحلة الطويلة المفعمة بالتحديات ، ففي الجزء الأول يفتح الكاتب ذاكرة الجوع والتهجير و الطفولة المرتجفة خوفاً و رعباً فهو يستعيد في هذا الجزء طفولته الأولى التي بدأت مع هبوب عاصفة الحرب العالمية الأولى ؛ إذ يقدّم المؤلف طفولته في المدينة المنورة من خلال مشاهداته المباشرة في الأزقة واشتمامه رائحة الطعام، و مصافحة بصره لوجوه النساء، ومتابعته لحركة القطار، وإبصاره لبكاء الأسرة وأوجاعها ، والارتباك الذي يصاحب الخروج من البيت؛ حيث تبدو المدينة ذاكرته المذخورة ؛ يقرأ مأساة الواقع في وجوه أمه وجده وخالته ؛ حيث تتضح في هذا الجزء مأساة سفر برلك وما ارتبط بها من تهجير لأهل المدينة المنورة أثناء الحرب العالمية الأولى ، والجوع في هذا الجزء ليس محنة عابرة أو معاناة وقتية ؛ بل تجربة حياتية فالجوع بوصغه عدوًا خطيرًا ينهش الجموع وكأنه وحش مفترس ، مرعب يسلب الإنسان كرامته و يفقده وعيه، و-تداعت إلى ذهني وأنا أقرأعن هذه المحنة ذكريات والدي (رحمه الله) وهو الذي عانى مأساة سفر برلك ، فالإنسان الجائع لا يرى العالم كاملًا؛ يرى الأرض بحثًا عن كسرة خبز أو بقايا طعام، فالذاكرة هنا تتحول إلى ذاكرة ألم ممض وتمزّق نفسيٍّ حاد مصحوبا ببعاناة البرد، والمرض، والخوف، والجثث التي تخطفها العربات، والوجوه التي تذبل في المنافي والمؤلف في هذا الجزء لا يكتب عن الطفولة بوصفها زمنه البريء الذي تفتّح فيها وعيه على البراءة ؛ بل بوصفها زمن الصدمة الأولى على قسوة الحياة و تحدّياتها وأقسى حقائق الوجود: الموت، اليتم، الفقر، الخوف، والاقتلاع. ويستهل المؤلف الجزء الثاني بالمثل الفرنسي( الحياة كالبصلة يقشرها المرء وهو يبكي) يتجه أكثر نحو تشكّل الوعي ، وهنا لا تختفي آثار الجوع والحرب، لكنها تبدأ في التحول إلى خبرة، فالطفل الذي عاش الفقد يبدأ في إدراك العالم من حوله: الأسرة، التعليم، العلاقات الاجتماعية، سلطة الكبار، وهيبة المدرسة، وتغيرات المكان. في هذا الجزء من السيرة تظهر الأم التي تبدو - منذ البداية - المحور الرئيس حين أهدى الكتاب إليها ؛ وبدت بؤرة اهتمامه في مختلف مراحل حياته بوصفها العمود العاطفي والأخلاقي في السيرة ، فلاتستأثر بصفة الأمومة المعتادة في الأسرة ؛ بل تجاوزت ذلك لتصبح رمزاّ حيّاً يستنهض الهمّة في أوج التحديات ثباتاً ومغالبةً للظروف القاسية ؛ لقد خاضت الأم معركتها الخاصة مع الغياب والفقر والتهجير وحماية الأبناء ؛ فهي تمثل في صورتها السردية كما رواها الكتب بورتريه نموذجي للمرأة الحجازية : في صمودها أمام المحن وتحملها أعباء الأسرة وتحديات الظروف في أوج قسوتها ، دون أن تتخلّى عن طبيعتها بوصفها امرأة فهي تتحمّل، وتقرّر، وتخاف، وتبكي، لكنها لا تستسلم ولا تنهار. كما يتضح في الجزء الثاني تحوّل شخصية الكاتب إلى مرحلة جديدة تتشكّل فيها ملامحه التكوينية ثقافيّاً ونفسيّاً عبر مدارج النمو في محاضن النشأة في الكتاب و المدرسة والحاضنة الاجتماعية والمهنية التي أوكل إليها مهمات ثقافية أدبياً و إعلامياً وترجمةً نقدا ، وهو يغوص إلى مكامن الوعي حين يتحدث عن الخوف و رجال البيت : “ ومع أن الكثير من الحوار الذي أخذ يدور بين أمي و بين الخالة فاطمة ، لم يكن مما يهتم به طفل في مثل سني ، فقد كانت كلمة رجال البيت هذه بعيدة التأثير في نفسي بحيث وجدتني أصغي إلى ذكريات الخالة فاطمة من جدتي لأمي واسمها حميدة وكيف كانت (رحمة الله عليها ) تستقبل ضيوفها من العوائل الكبيرة “ ج 2 ص28 وقد أفرد قسما خاصا لمعاناته في طفولته تحت عنوان(طفولتي التي بدأت مع رياح الحرب العالمية الأولى) حيث أوغل في تقصّي الجزئيات و الحوارات التي كانت تدور بينه و بين أقرانه باللهجة الحجازية ، مُتغلغلاً في الأبعاد النفسيّة محيطاً بتفاصيلها الدقيقة غائصا إلى أغوارها ؛ فضلاً عن إحاطته بالمكان مبرزاً خصائص فضائه المادي و الاجتماعي و رمزيّته ، وليس من السهال تقرّي ملامح تلك المساحة الواسعة التي حرص على أن يضع لها عناوين فرعية تحيط بها إحاطة شاملة بكلّ ملامحها كافة وبلغتها الفورية الحية وأما الجزء الثالث الذي لم يسعفني المجال للإحاطة به كما ينبغي ؛ حيث ينفرج القضاء المكاني و الزماني ، وتتسع الدائرة الاجتماعيّة وتضع الحرب أوزارها مُخلّفة أثقالها ومكدسةً همومها ومخلفاتها ، ومن الحياة المألوفة اجتماعياً والمكابدة جهاداً و منازلةً للظروف و التحديات إلى حيث الميدان الواسع الذي تحقّق فيه الشخصية ذاتها و تحتل مكانتها ، ومن المعاناة و المواجع إلى حيث تستقر النفوس وتبحث الذات عن ذاتها وتتخلص من أثقال ماضيها و ترنو إلى مستقبلها ومن الذاكريات المُرّة إلى الواقع الذي تنفرج فيه الحياة وتتسع دائرة الوجود الخاصة إلى المشاركة في الحياة العامة ؛ حيث يصبح عزيز ضياء شاهدًا ثبتا على تحوّلات جديدة جذرية ؛ وليس ضحية لظروف قهريّة ؛ فهو يرى المجتمع في حراكه الدؤوب دون أن تغيّب الماضي في فضاء العيش الرغيد ؛ فما يزال الماضي في تمام حضوره و المعاناة لا تغيب عن الذاكرة و الوجدان . أما جماليات السيرة بوصفها فنّاً سردياً، فلها شأن آخر فثمة تسلسل خطّي منتظم تتنامى فيه الشخصية الذاتية في موازاة التحولات الحضارية والثقافية و الإنسانية؛ فالسيرة تمضي مع نمو الشخصية، من الطفولة ببراءتها و عذاباتها إلى الوعي بمعاناته وصدماته ، ومن البيت بخصوصيته الحميمة إلى المجتمع في اتساع أرجائه و تعدد أبعاده ، ومن التجربة الخاصة إلى خضم الحياة بقضها و قضيضها؛ أما الخصائص السردية فاللافت فيها مساحة الحوار وتعدّد المشاهد ؛ إذ يعتمد عزيز ضياء على الحوار اعتمادًا بيّناً في حراك الشخصيات وتوالي المشاهد؛ فالحوار لا يخلو من تغذية للسمة الدرامية التقليدية ؛ وهو يغوص في عمق الشخصية ليكشف عن أعماق وعيها؛ فالشخصيات تبدو في حالة حراك دائم : تتكلم وتنفعل وتخاف ، وتغضب بلغتها الفورية ولهجتها الحيوية. والكاتب يتكيءعلى تقنية الوصف حسّيا و معنويا : الروائح والأطعمة والأصوات وهيئات الناس وحركة الأيدي والوجوه مصطنعة خصائص السرد الروائي بحمولاته المختلفة، و إيهاماته الواقعية مجسّدة مرئيّة وليست مجرد استحضار لذاكرة منسية (يستطيع القارئ أن يرى المدينة، والقطار، والبيت، والجوع، لا أن يسمع عنها فقط) في بنائه للسيرة يترك الكاتب السياق السردي على طبيعته وفق ما ينثال من ذاكرته وما يتداعى من خواطر لا يصطنع سبل التشكيل والتأطير ؛ فهو يتقدم بصفته الذاتية مواطناً وكائناً بشرياً إنسانياً يعاني ويتوجّع ويكافح ويجتهد ويسعى دون أن يخطرر في باله أن يقدم نفسه بطلاً روائياً ، أو يتعمّد إضفاء عصاميّة مدّعاة ؛ بل بوصفه نتاج ظروف تاريخية عاشها ببصره و بصيرته ؛ فضلا عن اهتمامه بمحيطه المكاني الذي يتميز عن غيره بقدسيّة معالمه وخصوصية مجتمعه ؛ فهو يقدّم هذا المحيط المتميز بخصائصه إقليماً حجازياً بسماته التاريخية و مجتمعاً مدنيّاً ومكيّاً يتعامل مع جمهور متعدد الأجناس و الألوان من روّاد بيت الله الحرام ومسجد المصطفى عليه السلام بكل سماته وعاداته وتقاليده ،ومساكنه و أسواقه و ملابسه و علاقاته الأسرية والاجتماعية و التجارية إن (حياتي مع الجوع والحب والحرب )عمل كبير لأنه نجح في تحويل الألم الشخصي إلى ذاكرة جماعية فالكتاب لا يقول لنا: “هذه حياتي” فحسب، بل يقول: هذه حياة جيل عاش الجوع، وتعلّم الحب وسط الفقد، وواجه الحرب بلا سلاح إلا الذاكرة. إن عزيز ضياء يكتب سيرة إنسان صغير في مواجهة تاريخ كبير. ومن هنا تأتي فرادة العمل؛ فهو لا يكتب عن المجد، بل عن النجاة. ولا يكتب عن البطولة الصاخبة، بل عن البطولة الصامتة: أم تحفظ أبناءها، طفل يتعلم من الجوع، مدينة تفقد أهلها ثم تبقى في قلوبهم، وإنسان يخرج من ركام الحرب ليصبح كاتبًا قادرًا على تحويل الذاكرة إلى أدب.Bottom of Form أما في النقد الأدبي فله باع طويل ، وقد شهدت بعضا من لقاءته قليلة فكان ملء العقل و القلب واطّلعت على بعض ما أنجز من خلال ريادة النقد الأدبي من خلال قراءاته وتقديمه لأعلام عصره من الشعراء و الكتاب ، مثل حمزة شحاتة ، فهو من الجيل الذي مهّد الطريق أمام كثرة كاثرة من النقاد الذين طوّروا النقد الأدبي وافترعوا سبله المتعددة وصولا إلى العصر الرقمي الذي شهد الفنون الأدبية التفاعلية . وهذه الريادة لا تعني أنه كان وحده في الساحة، بل تعني أنه كان من الجيل المؤسس الذي شارك في نقل الأدب السعودي إلى مرحلة أكثر تنوعًا واتصالًا بالعالم. يتجلى أثر عزيز ضياء في الأجيال اللاحقة من الكتاب السعوديين من خلال النموذج الذي قدمه للمثقف السعودي الحديث؛ فقد كان مثقفًا متعدّد الأدوات، لا يكتفي بنوع أدبي واحد، ولا يحصر نفسه في دائرة ضيقة، وقد تعلمت الأجيال اللاحقة من تجربته أن الكاتب يمكن أن يكون قاصًا، وناقدًا، ومترجمًا، وصحفيًا، وإذاعيًا، وصاحب موقف ثقافي. ولعل أهم ما تركه عزيز ضياء للكتاب السعوديين اللاحقين هو شجاعة الكتابة عن الذات، والانفتاح على العالم، والإيمان بأن الثقافة لا تنهض إلا بالتنوع: تنوع الأجناس الأدبية، وتنوع مصادر المعرفة، وتنوع المنابر التي يخاطب من خلالها الكاتب مجتمعه. وفيما يتعلق بسيرته التي نحن بصددها فلابد من الإشارة إلى أنها تتقاطع مع جملة من السير الذاتية العربية و العالمية على نحو أو آخر ؛ غير أن ذلك لا يعني أنها تتفق معها في النهج و الأسلوب و المضمون على نحو تام ؛ فثمة سِير عربية وعالمية تتقاطع مع سيرة عزيز ضياء (حياتي مع الجوع والحب والحرب) إذ يكمن تميّزها في خصوصيتها النابعة من ثلاثة عناصر مهمة :سفر برلك وتهجير أهل المدينة، الجوع بوصفه تجربة ذاتية جماعية، وعصامية نادرة ارتقت بصاحبها إلى مصاف الروّاد صنّاع الثقافة، و يمتاز بتغطيته لفترة طويلة من التاريخ المعاصر، مع حضور التهجير القسري لأهل المدينة و دور سكة حديد الحجاز والحصار ضمن خلفيته التاريخية، ولعل أ قرب السير السعودية الذاتية (أيامي) من حيث توثيق التحوّل الاجتماعي في الحجاز؛ فهي تبدو من السير الأقرب في تأصيلها للشخصية المكية من حيث المجتمع والتعليم والعادات في بدايات القرن العشرين نشرت بعنوان أيامي سنة 1970م كسيرة ذاتية صريحة بعد الطبعة الأولى بعنوان (أبو زامل)، وتُعدّأول كتاب سيرة ذاتية يصدر في السعودية. وتتقاطع مع سيرة عزيز ضياء في اهتمامها بسيرة المكان الحجازي، الطفولة، المجتمع التقليدي، التعليم، التحول إلى الدولة الحديثة. ولكن هذه السيرة أكثر ثراء في تصويرها الدرامي لملحمة الجوع والحرب والحب ومن أقرب السير لها كتاب (من سوانح الذكريات) لحمد الجاسر من زاوية تكوين المثقف السعودي العصامي،فهي سيرة عالم وباحث يتتبّع مسيرته في التعليم والصحافة والبحث والبلدان والرجال والمؤسسات ، وترد بيانات نشرها في مجلدين عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة الأولى 1427هـ/2006م، بمراجعة وتعليقات عبد الرحمن الشبيلي. في ثيمة بناء الذات بالعلم، وتحوّل المثقف إلى شاهد على مرحلة. فكاتبها حمد الجاسر أقرب إلى السيرة العلمية والمؤسساتية، بينما عزيز ضياء أقرب إلى السيرة الوجدانية/الاجتماعية/التاريخية. أما على المستوى العربي فأقربها إلى هذه السيرة (الأيام) لطه حسين التي وتوازي سيرة عزيز ضياء في مرحلة الطفولة والتكوين والخروج من العجز إلى المعرفة والأيام بأجزائها الثلاثة تُعد “عمدة كتب السير الذاتية في الأدب العربي الحديث”، صدر الجزء الأول صدر عام 1927، والثاني عام 1940، والثالث عام 1972. وتتشابه مع (حياتي مع الجوع و الحب و الحرب) في اهتمامها باستعادة ذكريات الطفولة، ومعاناة الفقر، وتجربة التعليم، وصناعة المثقف ومجاهدته في بناء ذاته المستقلة ،ووجه الاختلاف بينهما أن طه حسين جعل العمى والمعرفة محور السيرة، بينما يجعل عزيز ضياء الجوع والحرب والاقتلاع محورًا وجوديًا؛ أما محمد شكري في الخبز الحافي فسيرته هذه أقرب سيرة عربية إلى عزيز ضياء في ثيمة الجوع القاسي، لكنها أشد عُريًا وصدمة وأقرب إلى سيرة الهامش الاجتماعي. فهي تحمل عنوان (الخبز الحافي: سيرة ذاتية روائية) 1935-1956، صدرت عن دار الساقي، وتقع في 228 صفحة. كما يصفها ناشرها الإنجليزي بأنها مذكرات فتى مغربي نشأ في الفقر المدقع، بعدما دفعت المجاعة أسرته إلى طنجةو وجه التقاط مع سيرة ضياء الجوع، الطفولة العارية، القسوة، النجاة بالكتابة؛ فعزيز ضياء يكتب من أفق ذاكرة مدينة وحرب وأدب، أما شكري فيكتب من قاع الهامش والشارع والجسد. و كذلك سيرة جبرا إبراهيم جبرا(البئر الأولى) تتقاطع مع كتاب عزيز ضياء في سيرة الطفولة والذاكرة والمكان، لا في الحرب المباشرة فالبئر فصول من السيرة الذاتية لجبرا إبراهيم جبرا، صدرت طبعتها الأولى عام 1993، وتستعيد طفولته في بيت لحم وفلسطين وزمن الانتداب البريطاني، مع حضور الفقر والتعليم والأسرة. ويشبه سيرة ضياء بوصفه ذاكرة، الطفولة، الفقر، التعليم، نشأة الكاتب. وتختلف سيرة جبرا عنن كتاب عزيز ضياء في أنها أكثر شاعرية وتأملًا في التكوين الجمالي، وعزيز ضياء أكثر التصاقًا بالمحنة التاريخية أما سيرة فدوى طوقان( رحلة جبلية، رحلة صعبة) فتوازي عزيز ضياء من جهة أن السيرة ليست حياة فردية فقط، بل صراع مع مجتمع وتاريخ ، صدرت عن دار الشروق سنة 1985، وهي سيرة ذاتية تتضمن مذكرات فدوى طوقان منذ ولادتها إلى سنة 1967، وتتناول حرمانها من التعليم ومعاناتها داخل الأسرة، ثم نكبة 1948 ومعاناة الشعب الفلسطيني ،وتتقاطع مع سيرة عزيز ضياء في تصويرها للقهر الاجتماعي، والتكوين الثقافي الذاتي بالقراءة، و صراع الذات في مواجهة التاريخ.، أما وجه الاختلاف فيتمثل في أن فدوى تجعل سؤال المرأة والحريّة مركز السيرة، بينما يجعل عزيز ضياء سؤال النجاة والمدينة والحرب مركزًا. أما سيرة إدوارد سعيد( خارج المكان) فهي تقارب عزيز ضياء في معنى الاقتلاع وتشظي الهوية؛ فالمذكرات، بحسب وصف الناشر، تستعيد طفولة سعيد بين القدس والقاهرة ولبنان، وتكشف ارتباك الهوية بين كونه فلسطينيًا ومسيحيًا ومواطنًا أمريكيًا، مع إحساس عميق باللاانتماء حيث ( المنفى، الذاكرة، الطفولة، اضطراب الهوية، تشكل المثقف ) فعزيز ضياء يكتب عن اقتلاع جماعي في زمن حرب ضروس ، بينما سعيد يكتب عن اغتراب ثقافي وسياسي ممتد في عالم ما بعد الاستعمار. ولعل هذه الوقفة عند هذا الكتاب وصاحبه لاتفي ببعض حقه ؛ ولكنها تذكّر بعلم من أعلام الروّاد الذين أسسوا لنهضتنا الثقافية المعاصرة .