أدرك الإنسان منذ فجر التاريخ أن قدرته على البقاء ترتبط بقدرته على التعاون. فقد تعاونت المجتمعات الزراعية الأولى على شق القنوات، وبناء السدود، وحصاد الثمار، وحماية المحاصيل، ومكافحة الجراد. كما تعاونت القبائل في مواجهة المجاعات والكوارث الطبيعية والأخطار الخارجية. وكان التعاون جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية قبل أن يتحول إلى مؤسسات منظمة، وقوانين، وأنظمة، ولوائح. وفي كل مرة تواجه فيها المجتمعات أزمة اقتصادية أو اجتماعية كبرى، يعود السؤال القديم ليفرض نفسه من جديد: هل يستطيع الناس أن يحسنوا أحوالهم بأيديهم، أم أن عليهم انتظار الحكومات أو كبار المستثمرين لانتشالهم من مشكلاتهم؟ وعلى امتداد ما يزيد على قرن ونصف القرن، قدمت الحركة التعاونية العالمية إجابة عملية عن هذا السؤال، مفادها أن الأفراد عندما يتضامنون طوعًا حول مصالحهم المشتركة، ويجمعون مواردهم وخبراتهم وإمكاناتهم، فإنهم يصبحون قادرين على بناء مؤسسات اقتصادية واجتماعية مستدامة تحقق لهم ما قد يعجزون عن تحقيقه فرادى. من هنا جاءت أهمية اليوم الدولي للتعاونيات الذي يحتفل به العالم في أول سبت من شهر يوليو من كل عام، تقديرًا للدور الذي تضطلع به التعاونيات في مكافحة الفقر، وتوفير فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ قيم المشاركة والمسؤولية الجماعية. مع بدايات الثورة الصناعية في أوروبا، وما رافقها من تحولات اقتصادية عميقة، ظهرت الحاجة إلى أشكال جديدة من التنظيم الاقتصادي تحمي العمال وصغار المنتجين والمستهلكين من الاحتكار والاستغلال. وفي عام 1844م. أسس مجموعة من عمال النسيج الإنجليز في مدينة روتشديل أول جمعية تعاونية حديثة، واضعين مجموعة من المبادئ التي أصبحت فيما بعد الأساس الفكري للحركة التعاونية العالمية. ومن تلك التجربة المتواضعة انطلقت مسيرة طويلة امتدت إلى مختلف القارات، حتى أصبحت التعاونيات اليوم واحدة من أكبر الحركات الاقتصادية والاجتماعية في العالم. لقد نجحت التعاونيات لأنها قامت على فكرة بسيطة في مفهومها، لكنها عميقة الأثر، جاعلةً الإنسان قبل رأس المال. ففي الوقت الذي تُدار فيه الشركات التقليدية لتحقيق أعلى عائد ممكن للمستثمرين، تنشأ التعاونيات أساسًا لخدمة أعضائها وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا فإن العضو في التعاونية ليس مجرد مساهم يبحث عن الربح، بل شريك في الملكية والإدارة وصنع القرار. ويكفي أن نتأمل القاعدة التعاونية الشهيرة “عضو واحد، صوت واحد” لندرك الفرق الجوهري بين الفلسفة التعاونية والفلسفات الاقتصادية الأخرى. واليوم تضم الحركة التعاونية العالمية أكثر من ثلاثة ملايين تعاونية، بعضوية تتجاوز مليارًا ومئتي مليون شخص، أي ما يقارب اثني عشر في المئة من سكان العالم. كما توفر هذه التعاونيات أكثر من مئتين وثمانين مليون فرصة عمل، وتسهم بصورة مباشرة في تعزيز الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية المحلية في مختلف أنحاء العالم. لا يقتصر حضور التعاونيات على قطاع اقتصادي بعينه، بل يمتد إلى الزراعة والصناعة والإسكان والصحة والتعليم، والنقل، والتمويل والخدمات. ففي العديد من الدول المتقدمة أصبحت التعاونيات الزراعية لاعبًا رئيسًا في إنتاج الغذاء وتسويقه، بينما نجحت البنوك التعاونية في توفير التمويل لملايين الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. كما أسهمت التعاونيات الإسكانية في تمكين الأسر محدودة ومتوسطة الدخل من الحصول على مساكن مناسبة، وأسهمت التعاونيات الصحية في تقديم خدمات علاجية ذات جودة عالية وتكلفة معقولة. من أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة التعاونية العالمية قدرتها على الصمود أمام الأزمات. فحين تعرض العالم للأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، انهارت مؤسسات مالية عملاقة وتكبدت شركات كبرى خسائر جسيمة، بينما أثبتت كثير من البنوك والمؤسسات التعاونية قدرة لافتة على الاستمرار والاستقرار. ويرجع ذلك إلى أن التعاونيات بطبيعتها أقل انخراطًا في المضاربات المالية عالية المخاطر، وأكثر ارتباطًا باحتياجات أعضائها الحقيقية. كما تنبع أهمية التعاونيات من دورها في بناء الطبقة المتوسطة وتعزيز العدالة الاجتماعية. فهي تمنح صغار المنتجين والمزارعين والحرفيين وأصحاب المهن فرصًا للتفاوض الجماعي، والوصول إلى الأسواق، والحصول على التمويل والخدمات التي يصعب عليهم الحصول عليها بصورة فردية. وتسهم التعاونيات في الحد من الاحتكار، وتوزيع المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة، وتحويل المستهلكين والمنتجين من أطراف ضعيفة في السوق إلى شركاء فاعلين فيه. وفي هذا العصر الذي تتسع فيه الهوة بين الأغنياء والفقراء، تبدو التعاونيات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي لا تقدم نموذجًا اقتصاديًا فحسب، بل تقدم فلسفة اجتماعية تقوم على التضامن والمشاركة والمسؤولية المشتركة. ولهذا السبب اختارت الأمم المتحدة أن يكون شعار اليوم الدولي للتعاونيات هذا العام “التعاونيات لعالم يسوده السلام”، انطلاقًا من القناعة بأن المجتمعات الأكثر تعاونًا هي الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والانسجام والتماسك الاجتماعي. في المملكة العربية السعودية، عُرِفَ العمل التعاوني منذ أكثر من ستة عقود، وشهد خلال هذه الفترة تطورات متباينة. واستنادًا على الأنظمة والتشريعات الداعمة، ووجود عدد من المبادرات الحكومية المهمة، فإن أمام القطاع التعاوني اليوم فرصًا واعدة أكبر من أي وقت مضى، خاصة في ظل “رؤية السعودية 2030” التي تركز على تمكين المجتمع، وتعزيز القطاع غير الربحي، ورفع مستويات المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. إن معالجة قضايا الإسكان، والزراعة، والتسويق، والحرف، والأسر المنتجة، والخدمات المجتمعية، تتطلب أدوات متنوعة لا تستطيع الحكومة أو القطاع الخاص وحدهما الاضطلاع بها. وهنا يبرز القطاع التعاوني بوصفه الشريك الثالث في التنمية، والقادر على سد الفجوات التي قد تعجز القطاعات الأخرى عن التعامل معها بالكفاءة المطلوبة. لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي تتعلم التعاون تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر نجاحًا في تحقيق التنمية المستدامة. فالتعاونيات ليست مجرد كيانات اقتصادية، وليست جمعيات خيرية، وليست شركات تقليدية، بل هي مؤسسات إنسانية تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والرسالة الاجتماعية، وبين المصلحة الفردية والمنفعة العامة. ولعل أعظم ما تقدمه التعاونيات للعالم أنها تذكرنا بحقيقة بسيطة، كثيرًا ما ننساها وسط صخب المنافسة الاقتصادية: أن الإنسان يستطيع أن يحقق لنفسه ولغيره ما هو أكبر وأبقى حين يعمل مع الآخرين لا ضدهم، وحين يبني معهم لا على حسابهم. وربما كانت إحدى المفارقات اللافتة في التاريخ الاقتصادي الحديث أن التعاونيات، على الرغم من حجمها الهائل وتأثيرها العميق في حياة مئات الملايين من البشر، لا تحظى بالحضور الإعلامي أو الأكاديمي الذي تحظى به الشركات العملاقة أو المؤسسات المالية الكبرى. فحين تُذكر أسماء الشركات العالمية تتصدر العناوين أخبار الأرباح والأسواق والاستحواذات، بينما تعمل آلاف التعاونيات حول العالم بصمت، وهي توفر الغذاء والسكن والتمويل والخدمات وفرص العمل لمجتمعات بأكملها. والسبب في ذلك أن التعاونيات لا تقوم على صناعة الأبطال الاقتصاديين، بل على صناعة المجتمعات القادرة على الاعتماد على نفسها. إنها لا تبحث عن نجم فرد، وإنما تؤمن بقوة الجماعة المنظمة. ولهذا فإن نجاحها غالباً ما يكون نجاحًا جماعيًا لا يُنسب إلى شخص بعينه، بل إلى مجتمع كامل استطاع أن يحول احتياجاته المشتركة إلى مشروع اقتصادي واجتماعي مستدام. ولهذا يمكن القول إن التعاونيات ليست اختراعًا اقتصاديًا بقدر ما هي امتداد مؤسسي لواحدة من أقدم الغرائز الحضارية في الإنسان. لعل ما يميز التعاونيات عن كثير من النماذج الاقتصادية الأخرى أنها تجمع بين ما يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، فهي مؤسسات اقتصادية تسعى إلى الكفاءة والربحية والاستدامة، لكنها في الوقت نفسه مؤسسات اجتماعية تهدف إلى خدمة الإنسان وتحسين أحواله الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تنجح التعاونيات في المجالات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الاحتياجات الاجتماعية. لقد أثبتت التجارب الدولية أن المجتمعات التي تمتلك قطاعًا تعاونيًا قويًا تكون أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية. ففي أوقات الأزمات والانكماشات المالية كثيرًا ما تتراجع المؤسسات التي تحركها اعتبارات الربح السريع، بينما تميل التعاونيات إلى التمسك بأهدافها الأساسية المرتبطة بخدمة أعضائها ومجتمعاتها المحلية. ولهذا السبب نجحت العديد من التعاونيات في عبور أزمات اقتصادية عالمية عصفت بمؤسسات أكبر منها حجمًا وأكثر منها ثراءً. القطاع التعاوني لا ينمو بالأنظمة وحدها، كما لا ينمو بالحماس وحده، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تؤمن بدوره، وإلى قيادات تعاونية مؤهلة، وإلى مجتمع يدرك أن التعاون ليس خيارًا ثانويًا، بل أداة تنموية أثبتت نجاحها في مختلف أنحاء العالم. وفي اليوم الدولي للتعاونيات، لا نحتفي بمنشآت اقتصادية أو كيانات نظامية فحسب، بل نحتفي بفكرة إنسانية رافقت الحضارة منذ نشأتها. فكرة تقول إن الإنسان يكون أقوى حين يعمل مع غيره، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات حين يتشارك المسؤولية والمصلحة والأمل. لقد تغيرت أدوات الإنتاج، وتبدلت الأنظمة الاقتصادية، وتطورت التكنولوجيا بصورة لم تكن تخطر على بال الأجيال السابقة، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة عبر العصور: أن المجتمعات التي تتقن فن التعاون هي الأكثر قدرة على البقاء والتقدم والازدهار. ولهذا فإن التعاونيات ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل مدارس للمواطنة، ومختبرات للثقة، وجسور للتضامن، وأحد أكثر النماذج الإنسانية قدرة على التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. إذا كانت الحضارات تُقاس بما تبنيه من طرق ومصانع ومدن، فإنها تُقاس أيضًا بما تبنيه من ثقة بين الناس. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التعاونيات بوصفها أحد أعظم الإنجازات الاجتماعية التي ابتكرتها البشرية خلال القرنين الماضيين؛ لأنها لم تكتفِ بإنتاج السلع والخدمات، بل أسهمت في إنتاج شيء أكثر قيمة وأعمق أثرًا: الإنسان المتعاون.