كان مدرسًا لمادة العلوم في قرية نائية. وجد نفسه في فراغ غريب، أهل القرية ماضون في حياتهم، وهو غريب طارئٌ على المكان. كان في غرفته وحيدًا، وفي مكتبه وحيدًا، يمشي بين الناس وحيدًا، حتى وجد نفسه محاطًا بالصمت والعزلة. ذات يوم وهو في مكتبه، بدت منه نظرة على الهياكل العظمية في الزاوية، صامتة في أبديتها، لكن خُيل إليه أنها تنظر إليه. تجاهل وجودها، وظل منشغلًا بتصحيح أوراق الطلاب. اختلس مرة أخرى نظرة إلى الهياكل فرآها تنظر إليه، ساخرة من حركة يديه، من عمل يستنزف وقته وجهده. أشاح بوجهه عنها. جرب أن يتجاهل وجودها، لكن لا وجود حوله سوى وجودها الطاغي. سمع من بعيد ضجيج الطلاب في فسحة الحصة الثالثة، فخرج مسرعًا. ليجد ضجيجًا لا ينتمي لعقله وفكره. لحظتها أدرك أن المشكلة ليست في الصمت والضجيج، بل في إحساسه بمرارة عدم الانتماء. بعد حين تآلف مع الهياكل، وصار يحادثها حديث الواثق من التواصل معها. أدرك أن هناك خللًا عندما غاب أحد هذه الهياكل. احتج على غيابه، أخبره المدير بحاجة مدرسة القرية المجاورة إلى هيكل لمادة العلوم. أحس أن غيابه شكل فراغًا غير متوقع، إذ صنع هذا الفراغ وجودًا أكبر من ذي قبل. وعرف أن قيمة الأشياء تتأكد عند غيابها أكثر من وجودها. بنى مزاجه على صلته بهذه الهياكل الصامتة، فقد استنطق منها روحًا مختلفة، فرآها حياة يمكن أن نصنعها لتبهجنا، وليس بالضرورة لنعيشها، فالحوار مع الصوامت قد يكون أحيانًا أبلغ من الحوار مع بعض البشر!!