جسدية الحداثة وعزلة الكائن:

قراءة تفكيكية في روائع «مجموعة لويس» بسوذبيز لندن

استضاف دار ومزاد سوذبيز في لندن (نيو بوند ستريت) واحداً من أبرز الأحداث التشكيلية وسوق الفن العالمي لموسم صيف 2026، متمثلاً في معرض ومزاد «روائع من مجموعة لويس» (Masterpieces from the Lewis Collection). ضمت هذه المجموعة، التي بناها الملياردير البريطاني جو لويس وابنته فيفيان على مدار عقود، نخبة من الأعمال ذات القيمة المتحفية التي لا تمثل مجرد تحف فنية نادرة، بل تشكل في جوهرها دراسة بصرية ممتدة حول «الفن التشخيصي/»Figuration والشرط الإنساني في الفن الحديث والمعاصر. ويُعرف عن لويس شغفه الفني الفريد؛ إذ لا يتعامل مع الفن كمجرد استثمار مالي، بل هو مقتنٍ ذو عين تحليلية ثاقبة، لدرجة أنه كان يحتفظ ببعض روائع لوسيان فرويد، وبيكاسو، وموديلياني داخل يخته الفاخر الذي صُمم خصيصاً بجدران مجهزة لحماية اللوحات وتحويل اليخت إلى متحف عائم. من فيينا التعبيرية إلى باريس الطليعية، وصولاً إلى قسوة «مدرسة لندن» في تشريح الذات بالألوان السميكة والخطوط الحادة، تطرح المجموعة مقاربة فنية متماسكة ترتكز على الصورة الشخصية والجسد كحامل للاغتراب، والرغبة، والمواجهة السيكولوجية مع الفناء. ثنائي فيينا كليمت وشيلي؛ شبقية الموت وبراءة الزينة في صدارة المعرض، يقف المشاهد أمام حوار فيينا الإستيتيقي، بين أستاذ الرمزية غوستاف كليمت وتلميذه المتمرد والمتفرد إيغون شيلي. تبرز لوحة كليمت الأيقونية (بورتريه غيرترود لوف 1902) كقصيدة بصرية من الأثير والضوء. في هذا العمل، يتخلى كليمت جزئياً عن كثافة الذهب البيزنطي ليفسح المجال لشفافية الألوان المائية والتموجات الانسيابية التي تحيط بالمرأة. إنها دراسة في الهدوء والنقاء البورجوازي، حيث يذوب الجسد داخل زخارف الثياب، ليتحول الكائن داخل فضاء اللوحة إلى حالة ذهنية من السكينة والتعالي الجمالي. وعلى نقيضه تماماً، يأتي عمل إيغون شيلي (داناى 1909 / (Danaë ليعيد صياغة الأسطورة الكلاسيكية، وهي واحدة من أشهر قصص الحب والتحولات في الميثولوجيا الإغريقية، والتي ألهمت كبار فناني التاريخ من تيتيان ورامبرانت إلى كليمت وشيلي، ففي التقاليد الفنية الكلاسيكية مثل لوحات عصر النهضة، يتم تصوير «داناى» في حالة استلقاء مريح، مستسلمة وهادئة، بانتظار المطر الإلهي الذي يرمز للخصوبة والنقاء. أما شيلي فقد صوّر «داناى» متكوّرة على نفسها في وضعية جنينية تقريباً، وحركة دفاعية واضحة مشحونة بالتوتر العصبي. جسد «داناى» عند شيلي ليس مستسلماً مسترخياً لاستقبال المطر الذهبي (كما في التقاليد الكلاسيكية أو حتى عند كليمت)، بل هو جسد متقلص، زاخر بالخطوط الحادة والزوايا القاسية التي تميز سيكولوجية الفزع واللذة المشتركة. الخط عند شيلي ليس تزيينياً؛ إنه مشرط يحدد جغرافيا الألم والرغبة على مساحة القماش. الجدير بالذكر ان إيغون شيلي رسم هذه اللوحة حين كان متدرباً في استديو غوستاف كليمت وهو بعمر السابعة عشر. مدرسة باريس؛ اغتراب المنفى والجسد النحتي بين موديلياني وسوتين تنتقل عين المتفرج في المعرض إلى مناخات مدرسة باريس، حيث يتجلى بوضوح عمل أميديو موديلياني الاستثنائي (تجلس عارية مع عقد/ 1917). عُرضت هذه اللوحة في أول معرض فردي لموديلياني بباريس عام 1917، لكن الشرطة أغلقت المعرض فوراً وصادرت اللوحة بتهمة (خدش الحياء) بسبب واقعية الجسد ووجود العقد البسيط الذي نزع عنها الطابع الأسطوري الكلاسيكي. يمثل هذا العمل ذروة أسلوب موديلياني في استطالة الخطوط واستلهام النحت الأفريقي والأقنعة البدائية. تتميز هذه اللوحة بـالألوان الترابية الدافئة التي تمنح الجسد حضوراً ناتئاً يشبه المنحوتة المرمرية. وكذلك العيون اللوزية المصمتة والتي تفتقر إلى البؤبؤ، ممّا يحول النظرة من مراقبة العالم الخارجي إلى ارتداد داخلي نحو عزلة عميقة، فضلا عن التوازن الهندسي والتناغم الدقيق بين انحناءات الجسد والخطوط الأفقية للخلفية. بالقرب من لوحة موديلياني الآيقونية، تعكس لوحة شاييم سوتين (بورتريه لفتى بالأزرق)، النزعة التعبيرية العنيفة والاضطراب الداخلي للمهاجرين في باريس ما بين الحربين. ضربات فرشاة سوتين السميكة والمتلاحقة تحيل ملابس الفتى ووجهه إلى حالة غليان وميوع مستمر، وكأن المادة المصقولة للزيت تشارك في صياغة الأزمة النفسية للشخصية. مدرسة لندن؛ الجسد كبنية معمارية بين فرويد وبيكون العمود الفقري لهذه المجموعة، والشرارة الأولى التي انطلقت منها شغف جو لويس كمقنٍ نشأ في أحياء إيست ايند (East end)، يتمثل في قطبي «مدرسة لندن»؛ لوسيان فرويد وفرانسيس بيكون، وهما من واجه الوجود البشري دون أدنى مواربة أو تجميل. في لوحة لوسيان فرويد الضخمة «إغفاءة بجانب سجاد منقوش بالأسد/ 1996»، تتجلى قدرته الفذة على تحويل اللحم البشري إلى بنية معمارية ثقيلة. تجلس الموديل الشهيرة «سو تيلي» عارية تماماً، بجسدها الضخم المترهل مستسلمة للنوم. يقول لوسان فرويد: «أنا أرسم الناس ليس كما يبدون، ولا كما يرغبون، بل كما هم تماماً»، لذلك لا يتعامل فرويد مع الجسد كعنصر لإثارة الغريزة، بل كمادة بيولوجية محملة بالتاريخ، والزمن، والوزن الوجودي. تبرز ضربات الفرشاة التحليلية كتل الجلد، وتتفاوت درجات الضوء بين الوردي، والرمادي، والأخضر الميت، مما يمنح اللوحة واقعية نفسية تكاد تكون خانقة. على الجدار الآخر، يقدم فرانسيس بيكون في لوحته «دراستان لبورتريه ذاتي 1972» تشويهاً متعمداً ومدروساً للملامح. رسم بيكون هذا العمل في أعقاب الانتحار المأساوي لصديقه جورج داير، لذا فإن البورتريه الذاتي هنا ليس تسجيلاً للملامح بل هو صراخ مكتوم متجسد في تماهي الألوان، حيث يذوب الوجه ويتحور داخل فضاء معتم ومعزول، معبراً عن تآكل هوية الوجه تحت وطأة الفقد والذنب. التحولات البنيوية من كيبوت إلى بيكاسو وماغريت لا تقتصر المجموعة على التعبيرية الصرفة، بل تتبع تحولات الفن التشخيصي عبر حركات متباينة، فلوحة الفنان الفرنسي الانطباعي غوستاف كيبوت (بورتريه بول هوغو/1878) تمثل الإنتقال من الانطباعية إلى الواقعية النفسية الحضرية مع التركيز على عزلة الفرد البرجوزي الحديث. وتُعد هذه اللوحة الزيتية الضخمة (بطول يتجاوز المترين) دراسة بصرية بارعة في تصوير الأناقة الباريسية آنذاك؛ حيث رسم فيها كيبوت صديقه المقرب «بول هوغو» بهيئته العصرية، مرتدياً معطفاً طويلاً وقبعة عالية (Top Hat) وممسكاً بعصا السير، وقد عرضت لاحقاً في المعرض الانطباعي الخامس في باريس عام 1880. أما بيكاسو فقد عرضت له المجموعة خمس لوحات مهمة تمثل التحولات الإسلوبية في حياته، من أهمها (لوحة نصفية لامرأة/1938) ينتمي هذا البورتريه الاستثنائي إلى السلسلة الطويلة الشهيرة التي رسمها بيكاسو في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي لعشيقته وملهمته الفرنسية المصورة السريالية دورا مار. ويعكس هذا العمل تحديداً ذروة أسلوبه التجريبي والتكعيبي في تفكيك وتشوية ملامح الوجه البشري؛ للتعبير عن الاضطراب السيكولوجي والتوتر العاطفي الذي طبع علاقتهما، بموازاة القلق السياسي الخانق الذي كان يخيم على أوروبا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وهذه هي المرة الاولى التي يعرض فيها العمل امام الجمهور منذ أكثر من نصف قرن. أما سوريالية رينيه ماغريت فتتجلى بلوحته الشهيرة (النزهة الجميلة/ 1965)، وهي عمل منفذ بألوان الغواش على الورق، على أحد أكثر رموزه الأيقونية شهرة؛ وهو خيال الرجل الذي يرتدي قبعة «البولر» (Bowler Hat). لكن بدلاً من رسم جسم مصما، جعل جسده فارغاً تماماً على شكل نافذة نرى من خلالها السماء الزرقاء والغيوم، وكأنه يفكك الهوية ويخلق فضاءً لا متناهياً داخل الفرد، ممتزجاً بخلفية من الأشجار وجدار حجري في المقدمة. أفق التجسيد/ الجسد مرآة أخيرة للحداثة التشخيصية إن أهمية معرض «روائع من مجموعة لويس» في سوذبيز لندن لا تكمن فقط في القيمة المادية الفلكية للأعمال والتي قد تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية، بل في كونه يقدم سرداً بصرياً متكاملاً حول كيفية صمود الجسد الإنساني كأداة تعبيرية أولى في قرنٍ حاول تفكيكه وتجريده. تنقلنا الأعمال المعروضة من الجسد المزخرف والمحاط بالهالات الجمالية مع كليمت، إلى الجسد المستباح بيولوجياً ونفسياً مع فرويد وبيكون. إنها رحلة إنعكاسية بامتياز، تواجه فيها الحداثة التشكيلية مراياها الأكثر صدقاً وقسوة، وتؤكد أن الفن، في أسمى تجلياته، يظل محاولة أبدية للإجابة على السؤال المعقد: ماذا يعني أن نكون بشراً؟