لغط من وهج الحقيقة

ليست الحقيقة بحاجةٍ إلى من يرفع صوته دفاعًا عنها في كل حين فهي تملك من القوة ما يجعلها قادرةً على البقاء مهما ارتفعت حولها الأصوات وما أكثر الذين يحاولون حجبها بتنميق العبارات أو إغراقها في جدلٍ لا ينتهي ظنًا منهم أن كثرة الأصوات قادرةٌ على تغيير الوقائع أو تبديل الحقائق. فالزمن لا يعدّ الوقائع وحدها بل يزن الضمائر ويمتحن المواقف ويكشف ما خفي خلف الأقنعة. ومع تعاقب الأيام تتوارى الشخصيات الكرتونية وتخفت الأبواق النائحة ويظهر الفرق بين معدنٍ أصيلٍ لا تغيّره الرياح وآخر لم يكن سوى مكينةِ عملةٍ تدور حيث يدور المال وما أصدق الزمن حين يكون الشاهد والحَكم. ولأن الحقيقة مؤلمةٌ لمن اعتاد العيش في الظلال فإن أول ما يفعله أصحاب المصالح هو محاولة التشويش عليها فيصنعون اللغط ويضخمون الهامش ويقدمون الصوت المرتفع على الجوهر والمضمون معتقدين أن الناس ستنشغل بالصوت المرتفع عن رؤية المشهد الحقيقي لكن التجارب علمتنا أن الأصوات المزيفة عمرها قصير أما الحقيقة فتمضي بهدوء حتى تستقر في الوعي وتصبح جزءًا من الذاكرة. وفي فضاءات التواصل الحديثة تتكرر هذه المشاهد كل يوم حساباتٌ تبحث عن الإثارة وأصواتٌ مأجورة تقتات على الجدل وشخصياتٌ لا تملك مشروعًا سوى النظرة القصيرة ومحدودية الفكر غير أن وهج الحقيقة يبقى أقوى من كل ذلك لأنه يستند إلى الوقائع لا إلى الادعاءات وإلى الأفعال لا إلى الشعارات. لقد أثبتت الأحداث أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى صخبٍ يرافقه وأن الأوطان الراسخة تُعرف بما تصنعه على الأرض فحين تتحدث المنجزات وتظهر النتائج يتراجع اللغط إلى حجمه الطبيعي ويكتشف الناس أن كثيرًا مما كان يملأ المشهد لم يكن سوى دخانٍ يتلاشى عند أول مواجهة مع الواقع. وهكذا يبقى الفرق واضحًا بين من يصنع الأثر ومن يصنع صوتًا مرتفعًا، وبين من يبني المواقف على القيم والمبادئ ومن يبدّل اتجاهه مع كل مصلحة. أما الحقيقة فستظل كما كانت دائمًا لا يطفئ وهجها لغطٌ عابر ولا يحجب نورها أصوات العابرين.