جماليَّات الإخفاق.
لا أظن أن هذه المقالة القصيرة ستنجح في إقناع من لا يريد الاقتناع، وقد لا تحقق الدافع النفسي لقراءتها في منعطف اندفاع عاطفي كثيف، إنه أشبه بسيل عارم لا يمكن تحديه، ولذا كان من الصعب أن تُنشر بعد يوم أو يومين من تعرض منتخبنا لكرة القدم لخسارة أمام منتخب إسبانيا، وخروج عدد من الفرق العربية مبكرًا من ديوان المنافسة في كأس العالم، فقد حملت المشاعر نفسها التي يتنازعها غضب عارم وأسى كبير ورغبة في الكتابة السلبية عن هذا الفريق أو ذاك، لكني تماسكت لما استرجعت رؤية قائد فريق عربي في اللحظات الأولى قبل مباراته التي خسر فيها بستة أهداف؛ إذ كانت علامات الإرهاق والسهر بادية على وجهه، واعتبرت تلك إشارة أولى إلى الخسارة، وفوجئت بمعلق المباراة يؤكد ذلك، وهو ما جعلني أثمّن تلك المعاناة التي يقع فيها اللاعبون والأجهزة الفنية والإدارية، بوصفهم الأكثر حرصًا على الفوز، وأنظر إلى تلك الخسارات، في ثلاثة مداخل، بصورة قد تبدو مختلفة! سننطلق أولا من لحظة وصول المنتخبات الوطنية إلى تلك النهائيات، الذي يعد مفخرة في حقها، وكلما تكرر وصولها زادت أهميتها من جانب، واكتسبت قيمة إضافية في تاريخها من جانب آخر، كما أنها لا تصل إلى ذلك إلا بعد نقاط فوز لها تحققه في مباريات متتالية كل أربع سنوات، وهذا الفوز يكتسب قيمته في كونه أوصل الفرق المستحقة فنيًا، وذلك يعني أن تلك الفرق قد وصلت إلى تلك الخسارات التي نتذمر منها بعد قائمة طويلة من النتائج الممزوجة بالآمال التي طربنا لها، والآلام التي استطعنا تجاوزها، وفي الختام ستكون الخسارة مائدة غير مرغوبة، لكنها حاضرة لجميع الفرق باستثناء واحد منها. وفي المدخل الثاني سنلحظ أن بعض التعليقات الإعلامية ترى خسارة فريق رياضي يعدّ هزيمة؛ لكن المفردة محملة برواسب مستوردة من ميادين المعارك والحروب؛ لأن الخسارة في كرة القدم على سبيل المثال تختلف عن الهزيمة العسكرية؛ فالأولى جزء من منطق الرياضة والتنافس، بينما الأخرى تتصل بانكسارات سياسية أو عسكرية عميقة؛ وهنا تتجلى ضرورة إبراز البعد الرمزي للخسارة دون تضخيمها، والوصول بها إلى مستوى الكارثة. إن الخسارة اختبار فعليّ مؤقت لصيغة الهوية الجمعية؛ إذ تكشف طرق تعامل الجمهور واللاعبين معها عن قيم المجتمع وثقافته الرياضية، ولعل أهم ما في ذلك الدعوة إلى فتح باب النقد الذاتي في لحظة مراجعة ذكية، تحت مظلة تؤمن أن الفشل في تحقيق أمر ما يعدُّ درسًا في بيان حدود قدرة الإنسان، وتستعيد لنا أن التفوق ليس حالة ثابتة، وأن المنافسة تفترض إمكان الخسارة كما تفترض إمكان الفوز. ولا تفوتنا الإشارة ثالثًا إلى أن كرة القدم من أكثر الرياضات قربًا إلى الإنسانية؛ لأنها تعتمد على الخطأ وقوعًا فيه، أو بعدًا عنه؛ إذ لا يُنظر إلى خسارة ما هنا بوصفها فشلاً في القوة، لكنها يمكن أن تصنف في فئة التعثر، والتعثر سعي دائم ومحاولات مستمرة من أجل الوصول إلى الكمال، وعلى ذلك قد تكون استعادة مصطلح (الفارماكون) الذي وظفه التفكيكيون لوصف كل ما يحمل طاقتين متضادتين لا تنفصلان، فالكلمة اليونانية تعني السُّمَّ والدواء في آنٍ واحد؛ لذا تبدو الخسارة والفشل (فارماكون) بامتياز: تُؤلمنا كثيرًا لكنها تُعلِّمنا أكثر في الوقت ذاته، تكسر شيئًا فينا قد لا يُستعاد لكنها تبني أشياء أخرى في داخلنا، تُسهم في إضعافنا مرة لكنها تُحصِّننا من الوقوع مرات، وعلى ذلك فإن الخسارة لا تقع نقيضًا للفوز، بل هي إطار تكميلي تتحقق به أسباب الفوز. وهنا أختم بالقول بعيدًا عن كتاب توم فيليبس الساخر، إن تاريخ الفشل لن تُمحى منه النجاحات السابقة، التي تُستبعد أحيانًا من ذاكرة الفرد والمجتمع، وسيقود إلى إنجاز فوز جديد تسعد به القلوب وتطرب له الأسماع، وتسجيل مرحلة جديدة متجاوزة تكون جزءًا منه إن أُحسِن استثماره، ومن ثم فإن هذا قد يبدو مسوِّغًا للنتائج غير الطموحة، لكنه لم ولن يكون مسوِّغًا للممارسات والآليات غير الصائبة التي تسبقها أو تنتج عنها.