عبدالله بن خميس(1).. بين«اليمامة»و«الكمالي».
ليست هذه السطور استعراضاً لسيرة فارس القلم والمنبر الشيخ عبدالله بن محمد خميس ومحطات مسيرته الحافلة، بل إنها وقفات عند بعض منعطفات تلك المسيرة، رأيت أهمية إيرادها، من منطلق أهميتها لذاكرتنا الثقافية، واستمديت بعض المعلومات فيه من بحث كنت قد أعددته قبل ثلاثة عشر عاماً، بعنوان: “ابن خميس كاتباً وصحفياً: مرحلة التكوين”، للمشاركة به في لقاء علمي عنه، نظمته دارة الملك عبدالعزيز والنادي الأدبي بالرياض عام 1435 هـ، وافتتحه وزير الثقافة والإعلام في حينه. وأعاد هذا الموضوع إلى ذهني مؤخراً احتفال مجلة “اليمامة” الأسبوع الماضي بذكرى مرور خمسة وسبعين عاماً على إصدارها، وذلك بحكم العلاقة الوثيقة بين الشيخ ابن خميس وهذه المجلة وصاحبها وخلال العقد الأول من عمرها. وأنوه في بداية هذه السطور بأن العنوان أعلاه مستوحى من كتاب شهير من كتب الشيخ عبدالله، وهو كتاب “المجاز بين اليمامة والحجاز”، الذي سار في تأليفه على خطى صديقه ورفيقه وقدوته الشيخ حمد الجاسر، ومنهجه في تحقيق أسماء الأماكن في شبه الجزيرة العربية، من خلال زيارتها والتجوال فيها ورؤيتها رأي العين (انظر مقال عبدالرحمن المعمر، خمسون عاماً مع الجزيرة ريادة وإجادة، في كتاب “عبدالله بن خميس: قراءات وشهادات”، إصدارات الجزيرة الثقافية، ص. 45-53). العلاقة مع الجاسر و”اليمامة” قبل أعوام من صدور مجلة “اليمامة” في ذي الحجة 1372 هـ- أغسطس 1953 م- كان لابن خميس نشاط ثقافي واعد، تبدى في مشاركاته اللافتة في النادي الأدبي لمدرسة دار التوحيد، التي أمر جلالة الملك عبدالعزيز بتأسيسها في الطائف عقب الحرب العالمية الثانية، والتحق بها ابن خميس في العام الأول لتأسيسها عام 1364 هـ، إذ ظهر اسمه من بين الناجحين في السنة الأولى، حسبما نشرت صحيفة “البلاد السعودية”، في 18/8/1366 هـ، الموافق 7/7/1947 هـ. وفي العام نفسه نشرت له صحيفة “أم القرى” أول مشاركاته الثقافية، وهي قصيدة في مدح الأمير فيصل بن عبدالعزيز، بمناسبة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لحضور اجتماعات الأمم المتحدة بخصوص قضية فلسطين؛ هذه القضية التي ارتبط وجدان ابن خميس بها فيما بعد ارتباطاً كبيراً، إذ أصبح نائباً لرئيس اللجنة الشعبية لمساعدة أسر مجاهدي وشهداء الشعب الفلسطيني، التي كان يرأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حينما كان- حفظه الله- أميراً لمنطقة الرياض. وألقى ابن خميس العديد من المحاضرات عنها، ومنها على سبيل المثال محاضرة بعنوان: “نتائج حرب حزيران العكسية”، في 3 يونيو 1970 م، ونشرت تغطيتها في الصحف آنذاك. وفي احتفال للنادي الأدبي بمدرسة دار التوحيد أقيم في 9/7/1367 هـ، الموافق 17/5/1948 م، احتفاءً بزيارة الأمير عبدالله الفيصل- رحمه الله ألقى ابن خميس كلمة اقترح فيها إنشاء مجلة للطلاب، وذكرت “البلاد السعودية” أن “سمو الأمير استحسن هذا الاقتراح وتكلم مع سعادة رئيس الدار في إخراجه إلى حيز الوجود”. كان ذلك الاقتراح أول مؤشر على اهتمام ابن خميس بالصحافة، ولا يعرف إذا ما كان قد سبق لابن خميس أن طلب من مدير المدرسة الشيخ محمد بن مانع- وكان أيضاً مدير المعارف العام في المملكة- السماح بإصدار مثل تلك المجلة أم لا!! إلى جانب ذلك، وفي السنة الأخيرة من دراسته في المعهد عام 1369 هـ- 1950 م- أصبح بن خميس رئيساً للنادي الأدبي في دار التوحيد، وكان من بين أنشط المشاركين فيه، شعراً ونثراً ومناظرات، ومنها مناظرة في الحفل الختامي السنوي للنادي عام 1368 هـ، بين أنصار الشعر- ثلاثة طلاب كان من بينهم- وأنصار النثر. لذلك فلم يكن مستغرباً أن يكون ابن خميس في مقدمة المحتفين بصدور “اليمامة”؛ وبعد صدور عددها الشهري الثالث، وبسبب المشاكل التي واجهت الجاسر في طباعتها في مصر أوكل إلى ابن خميس- وكان طالباً في كلية الشريعة في مكة المكرمة آنذاك- عام 1373 هـ- مهمة الإشراف على طباعتها في مطبعة صحيفة “البلاد السعودية”، إضافة إلى مهمات أخرى مثل تصحيح مسودات المقالات والمواد التحريرية واستكتاب المسهمين فيها وزيادة عدد المشتركين فيها، وإرسال كميات من النسخ المطبوعة إلى الرياض، وذكرت المجلة في عددها الخامس أنه- أي ابن خميس- من أسرة تحرير المجلة. ويوجد في أرشيف الجاسر الشخصي عدد من الرسائل الموجهة من ابن خميس إلى الجاسر وردود الجاسر عليها- اطلعت على 47 منها-، تعود إلى الأعوام 1372 و1373 و1374 هـ. وتختزن تلك الرسائل معلومات مهمة عن سير صدور المجلة، وتتناول تفاصيل ذات علاقة بالكتاب وبالاشتراكات، وتفاصيل أخرى عن الصعوبات التي واجهتها المجلة أثناء فترة طباعتها خارج مدينة الرياض. وتدل تلك المراسلات على أن ابن خميس كان من أشد المتحمسين والمؤازرين للجاسر في مرحلة صدور المجلة. كما ينم أسلوب ابن خميس في مخاطبة الجاسر في تلك الرسائل عن خلق رفيع وسمو في التعامل بين طالب جامعي ينظر إلى من هو بمثابة أستاذه وقدوته نظرة إعجاب وإجلال. وسبق لابن خميس أن نشر عدداً من القصائد في صحيفتي “المدينة المنورة” و”البلاد السعودية” في ستينيات القرن الهجري الماضي، ثم مقالات في هذه الأخيرة في مطلع السبعينيات. ولكن انطلاقته كانت مع “اليمامة”، وأولها افتتاحية بعنوان “يا صديقي القارئ”، نشرت في العدد السادس من السنة الأولى، وعبر فيها عن المعاناة من الأخطاء المطبعية في مطبعة البلاد السعودية، الأمر الذي تسبب في غضب المسؤولين عن المطبعة ومنهم عبدالله عريف- ألمع صحفي في المملكة آنذاك- وانتقال أمر طباعة المجلة إلى لبنان، وتلك قصة يطول سردها. وفي العام التالي نشرت المجلة افتتاحيتين بقلمه، دلتا على رسوخ مكانته وعلى مستوى وعي متقدم جداً بمقاييس تلك الفترة، الأولى نشرت في العدد السادس من السنة الثانية- جمادى الآخرة 1374 هـ، فبراير 1955 م- بعنوان: “هل أدركنا نقصنا؟!”، تطرق فيها إلى تقصير العرب في الدفاع عن قضاياهم العادلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين وواجب الشباب المتعلم تجاه قضايا أمته، وكذلك إلى سيطرة بعض اليهود على وسائل الإعلام والسينما. والثانية بعنوان: “ثروتنا في مهب الريح”، نشرت في العدد الثامن من السنة الثانية- شعبان 1374 هـ، أبريل 1955 م”، تناول فيها مسألة النمو الاقتصادي وضرورة الاهتمام بالثروة الزراعية والحيوانية...، التي كثر استيرادها بعد أن كانت البلاد تصدرها. وكان ابن خميس، منذ مطلع عام 1374 هـ، قد عين مديراً لمعهد الأحساء العلمي واستمر في التعاون مع “اليمامة”، بل وأصدر بالتعاون مع عدد من طلاب المعهد العدد اليتيم من مجلة “هجر” الذي طبع في بيروت، والتي أوقفت بسبب عدم الحصول على ترخيص مسبق. ومن بين من أتاح لهم ابن خميس فرصة المشاركة في تحرير ذلك العدد اليتيم الطالب عبدالله شباط، والذي أصبح له فيما بعد شأن كبير في مجال الصحافة في المنطقة الشرقية، حينما أصدر صحيفة “الخليج العربي” الأسبوعية” في الدمام عام 1377 وترأس تحريرها مدة أربع سنوات. ولاحقاً، عام 1379 هـ، حينما أصدر ابن خميس مجلة “الجزيرة”، على منوال مجلة “اليمامة” في العامين الأولين من صدورها، لقي من الجاسر كل تشجيع ومؤازرة، سواءً بنشر إعلانات بارزة في “اليمامة” عن قرب صدورها، أو طباعتها في مطابع الرياض، بالإضافة إلى إسهام الجاسر بالكتابة فيها منذ عددها الأول. ولم يكن ذلك مستغرباً، فقد كان ذلك ديدن الجاسر مع كل الصحف التي صدرت في الرياض، وكذلك مع صحيفة “الخليج العربي” على مدى عامين، حينما حالت قدرات صاحبها المادية دون الإيفاء بتكاليف طباعتها في مطابع شركة الخط والمطبعة السعودية بالدمام. شاعر البعث يسطو على كتاب ابن خميس في عام 1375 هـ دخل الشيخ عبدالله بن خميس عالم النشر، بصدور كتابه “شهر في دمشق”؛ وهو ثالث كتاب يطبع في مطابع الرياض التي أسسها حمد الجاسر حديثاً. وكانت “اليمامة”، بعد تحولها إلى صحيفة أسبوعية- قد نشرت في عددها الأول في 8 صفر 1375 هـ جزءً من هذا الكتاب بقلم مؤلفه، تحت عنوان: «التعليم في سورية-من كتاب (شهر في دمشق) تحت الطبع»، ونشرت عن قرب صدوره إعلانات بارزة، ثم كتب عنه في الأسابيع التالية عدد من كتابها مثل عمران العمران وعبدالله بن إدريس ومحمد سعيد العامودي، ونشرت عنه عدة مقالات في صحيفة “البلاد السعودية”، بأقلام عبدالعزيز ساب وناصر العمري ومحمد طاهر الكردي. بعد ذلك بثلاث سنوات- في 27 ربيع الأول 1378 هـ، الموافق 9 نوفمبر 1958، كتبت “اليمامة”: “يخرج اليوم كتاب الأدب الشعبي في جزيرة العرب”، الذي طبعته مطابع الرياض على نفقة الشيخ عبدالله السليمان الحمدان. ولقي الكتاب في الأسابيع التالية احتفاءً كبيراً من كتاب الصحيفة وكتاب الصحف الأخرى وقراءها، ولا يتسع المجال لإيراد أسماء من شاركوا بالكتابة عنه، استعراضاً وتقريضاً ونقداً. ولا أجاوز الحقيقة إذا ما قلت إن الدكتور طه حسين كان في مقدمتهم، بالمقدمة المطولة التي نشرت في الكتاب، والتي أزجى فيها ثناءً باذخاً- ومستحقاً بلا شك- لمؤلِفه، ومنوهاً بجِدَةِ موضوعه وأصالته كبحث، وأهميته للباحثين والدارسين. ولم يكن ابن خميس آنذاك يتوقع أن مؤلفاً آخر بعد ست سنوات سيسطو على معظم ما احتواه كتابه، وينشره تحت عنوان آخر، وتطبعه جامعة بغداد طباعة فاخرة. اكتشف ابن خميس ذلك عندما شارك في مؤتمر الأدباء العرب ومهرجان الشعر العربي، اللذين انعقدا في بغداد ابتداءً من 14 شوال 1384 هـ، الموافق للخامس عشر من شهر فبراير 1965 م. شارك ابن خميس في ذلك المؤتمر بترشيح من وزارة الإعلام هو والكاتب الأديب السيد حسن كتبي، الذي أصبح وزيراً للحج والأوقاف لاحقاً. وشارك فيه أيضاً الأديب والناقد الكبير عبدالله عبدالجبار والكاتب المعروف عبدالعزيز الرفاعي. وخلال تلك المناسبة التقى ابن خميس بالشاعر شفيق الكمالي، أحد الأعضاء البارزين في حزب البعث الذي انتمى اليه منذ نهاية أربعينيات القرن الميلادي الماضي، والذي كان قد عاد إلى العراق منذ عام وبضعة أشهر بعد ثلاث سنوات قضاها لاجئاً سياسياً في القاهرة مع صدام حسين، بعد الانقلاب البعثي على الزعيم عبدالكريم قاسم في فبراير 1963 م. وفي السنوات التالية تقلد الكمالي مناصب مهمة في الحزب، بالإضافة إلى تقلد حقائب وزارات الإرشاد والإعلام والشباب، وأشرف على إصدار مجلة “آفاق عربية”. وأثناء اللقاء أهدى الكمالي لابن خميس كتابه “الشعر عند البدو”، الذي يقول عنه ابن خميس في مقال نشر بعد أربعة أشهر من انتهاء المؤتمر إنه “يقع في 408 صفحة من القطع المتوسط، ومطبوع طباعة جيدة على ورق صقيل، وساعدت جامعة بغداد على طبعه.. ويشتمل على سبعة أبواب بحث بها المواضيع التالية ....” ثم يقول: “وقد أورد المؤلف في ثبت المراجع جملة من الكتب التي لها صلة بالبحث، ومن بينها كتابنا ... ولقد حرصت وأنا أقرء هذا الكتاب على أن أقف على النقاط التي رجع فيها المؤلف إلى كتابي فكان ما أثار دهشتي واستجلب تعجبي هو أن جملة من كتابي منقولة نقلاً إلى كتاب المؤلف بدون إشارة ولا عبارة ... وجملة أخرى منقولة بتصرف إما بتقديم أو بتأخر أو بزيادة ... وكمثال على ذلك نقل المؤلف من كتابي المذكور ثلاثمائة وسبعين شاهداً من أبيات الشعر نقلها مستشهداً بها عليه بدون أن يشير إلى المرجع أو يلتزم جانب الأمانة في التأليف”. ويواصل ابن خميس حديثه آسفاً: “... وليس في الإمكان أن أتتبع المؤلف في كتابه لأشير إلى ما نقله أو تصرف فيه وإلا لاقتصاني ذلك مئات الصفحات، وحسبي أن أدعو القارئ الكريم لقراءة الكتابين ليتبين له إلى أي حد وصلت أمانة التأليف والبحث عند بعض من يتصدى للتأليف والبحث.. ولو أن الأمر وقف هنا لكان ميسوراً ولكن اقرء للمؤلف في مقدمة كتابه قوله: (ولقد حز في نفسي أن يهمل هذا الشعر ويترك نهبة للضياع والاندثار ويسدل عليه ستار الإهمال والنسيان فما أعلم أن باحثاً قد خص هذا الموضوع بدراسة على حيويته وطرافته وعظم قيمته...) ويقول (الكمالي) كلاماً غير هذا يزيد: (عندما أقدمت على كتابة هذا البحث كنت على علم بثقل المهمة التي القيتها على عاتقي وذلك لندرة المصادر التي تبحث في هذا الموضوع. ويقول ابن خميس إنه بينما كان يتهيأ لكتابة تعليق عليه، وإذا برسالة ترده من الأستاذ الكبير عباس العزاوي الكاتب والمؤلف الشهير وصاحب كتاب “عشائر العراق” يفيده فيها بأن ما وقع لكتابه- أي كتاب ابن خميس- وقع أيضاً لكتاب العزاوي “عشائر العراق”، إذ نقل الكمالي ما كتبه برمته عن قبيلة صليب، وأرفق العزاوي نسخة من مجلة “الأقلام” العراقية تضمنت مقالاً أثنى فيه على كتاب ابن خميس وبين بعض ما وقع فيه الكمالي من تصرف مشين بالنسبة للكتابين، ورجاه بأن يعاد نشره في احدى الصحف السعودية”. والكمالي- الذي لقب بشاعر البعث- شاعر لا يجادل أحد في شاعريته؛ ونظم في مدح صدام حسين قصائد عديدة تجاوزت حدود المعقول في المديح، كقوله “لولاك ما ظهر القمر”، وقوله إنه عندما يرى وجه صدام يرى وجه الله- تنزه الخالق عز وجل عن ذلك وعلا عن ذلك علواً كبيراً-. وكان مرد تلك المبالغة المفرطة من المديح خوف الكمالي من صدام، لأسباب ورواسب تعود إلى التنافس في سنوات مبكرة من زمالتهما في حزب البعث منذ أواخر الخمسينيات، حسب رأي الباحث العراقي شامل عبدالقادر، وما ذكره الدكتور شاكر الجنابي في كتابه “مقتطفات من الذاكرة”. وقد أدلى كثير ممن لهم علاقة وثيقة به أو عرفوه عن قرب بشهاداتهم عنه ونهايته المأساوية في السجن، هو وابنه يعرب عام 1984 م. وصدر عن حياته قبل أربعة أعوام بحث بعنوان: “شفيق الكمالي: الشاعر الكبير، والوزير المناضل 1929-1984”، أعده الباحث حسين مهدي أبو الوفا، ونشر في مجلة “الموقف الأدبي” التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق. الرياض، 6 محرم 1448 هـ، الموافق 21 يونيو 2026 م