بعد ما يقرب من تسع سنوات من العمل المتواصل، افتتح مركز الحضارة الإسلامية في طشقند أبوابه أمام الجمهور في أواخر شهر رمضان المبارك، قبيل حلول عيد الفطر ويُعد هذا الصرح الثقافي والمعرفي أحد أبرز المشاريع الحضارية في أوزبكستان المعاصرة، إذ يجمع بين المتحف العلمي والمكتبة الحديثة والفضاءات الثقافية التي تعكس عمق إسهام المنطقة في الحضارة الإسلامية. أُنشئ المركز بقرار من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف الصادر في 23 يوليو/تموز 2017، وبدأت أعمال البناء في العام نفسه، لتكتمل في عام 2026. وخلال الأشهر الأخيرة فُتح المركز بصورة محدودة لاستقبال وفود أجنبية رفيعة المستوى، تمهيدًا لافتتاحه الرسمي أمام عامة الزائرين. مدخل حديث وتجهيزات متطورة للزائرين تعمل إدارة المركز حاليًا على وضع نظام متكامل لتنظيم دخول الزائرين إلى المتحف. ومن المقرر أن تُوفَّر خدمات إرشادية متعددة اللغات، إلى جانب جولات رقمية باستخدام الأجهزة اللوحية وسماعات الشرح الصوتي، بما يتيح للزائر تجربة معرفية تفاعلية. أما الطابق السفلي للمبنى فيضم مجموعة من المرافق الحديثة، من بينها منصة تعليمية مخصصة للأطفال، ومختبر لترميم المخطوطات والوثائق الرقمية، ومستودعات لحفظ مقتنيات المتحف، إضافة إلى مقهى عصري وقاعات استقبال للزوار. عمارة مهيبة في قلب مجمع حضرة الإمام شُيّد مركز الحضارة الإسلامية في قلب مجمع حضرة الإمام التاريخي في طشقند على مساحة تبلغ نحو 10 هكتارات، بينما يمتد المبنى الرئيسي على مساحة 1.8 هكتار، وتصل مساحته الإجمالية إلى 42 ألف متر مربع. ويتكون المبنى من ثلاثة طوابق وطابق سفلي، ويبلغ طوله 161 مترًا وعرضه 118 مترًا، فيما ترتفع القبة المركزية إلى 65 مترًا، لتشكل علامة معمارية بارزة في أفق العاصمة الأوزبكية. ويمكن الدخول إلى المركز عبر أربع بوابات رئيسية من الجهات الأربع. ويعد مدخل أولوغ بك البوابة الرئيسة للمتحف، وقد صُمم بأسلوب معماري يستلهم زخارف مدرسة أولوغ بك في ميدان ريغستان الشهير في سمرقند. وتزيّن واجهته الآية الأولى التي نزلت من القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أما البوابات الأخرى فهي بوابة خوارزم، وبوابة بخارى، وبوابة قوقند، وقد استُلهمت زخارفها من التقاليد المعمارية الخاصة بكل منطقة. وتزدان واجهات المبنى كذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على العلم والتسامح وقيم الإنسانية، موزعة على 44 قوسًا معماريًا. قاعة المجد: ذاكرة الحضارة عند دخول الزائر من بوابة أولوغ بك يستقبله فضاء واسع يعرف باسم »قاعة المجد«، وهي إحدى أبرز قاعات المركز وأكثرها رمزية. تتوزع في محيط القاعة أربعة عشر قوسًا نصف بيضوي، زُيّنت بلوحات فسيفسائية دقيقة تجسد شخصيات بارزة من تاريخ المنطقة وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية. وتضم القاعة صورًا لشخصيات علمية وثقافية كبرى، من بينها: الخوارزمي، والفرغاني، والإمام البخاري، والإمام الترمذي، وابن سينا، والبيروني، وجلال الدين منكبرتي، والأمير تيمور، وميرزا أولوغ بك، وعلي شير نوائي، وزهير الدين محمد بابر، إضافة إلى رواد الحركة الإصلاحية الجَدِيدية. وقد جُهزت الأقواس بشاشات تفاعلية تتيح للزائر التعرف إلى سِيَر هؤلاء العلماء، حيث تظهر شخصياتهم بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتتحدث عن حياتها وإنجازاتها بأكثر من عشر لغات. قاعة المصحف الشريف في قلب المركز تقع قاعة القرآن الكريم، وهي إحدى أبرز القاعات وأكثرها مهابة، تعلوها قبة يبلغ ارتفاعها 65 مترًا. وتضم القاعة واحدة من أثمن المخطوطات الإسلامية في العالم، وهي مصحف عثمان المنسوخ في القرن السابع الميلادي، إلى جانب 114 نسخة من المصاحف التاريخية التي تعود إلى فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي. متحف يقصّ تاريخ أربعة عصور. ينقسم متحف المركز إلى أربعة أقسام تاريخية رئيسية تعكس تطور الحضارة في المنطقة عبر العصور. حضارات ما قبل الإسلام. يبدأ المسار التاريخي بقسم »حضارات ما قبل الإسلام«، حيث يمتد ما يعرف بـ »جدار الزمن« بطول 250 مترًا، ويعرض تاريخ المنطقة الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام عبر لوحات فنية ومنمنمات تاريخية. كما يضم الجدار مئات القطع الأثرية والنماذج النقدية والخرائط والوسائط المرئية التفاعلية. قاعة النهضة الأولى. تتناول هذه القاعة الفترة الممتدة من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، وهي مرحلة ازدهار العلوم في ما وراء النهر بعد انتشار الإسلام. وتعرض القاعة نماذج معمارية لمعالم تاريخية شهيرة مثل ضريح السامانيين ومسجد مغوك عطاري ومزار چشمه أيوب ومدرسة قسامية. كما تضم نسخة من باب الكعبة المشرفة وقطعة أصلية من كسوة الكعبة التي استُخدمت عام 1988، إضافة إلى مفاتيح الكعبة التي صُنعت في مصر في العصر المملوكي. قاعة النهضة الثانية. تعرض هذه القاعة الحياة الثقافية والعلمية في عصر أمير تيمور والدولة التيمورية، إلى جانب المراحل اللاحقة في عهد الخانات الأوزبكية. وتُعرض فيها خرائط الاكتشافات العلمية في العصر التيموري، إلى جانب منمنمات مأخوذة من مخطوطات تاريخية تعكس تطور الثقافة والعلوم في تلك الفترة. »أوزبكستان الجديدة – النهضة الجديدة«. أما القسم الأخير فيعرض التحولات الحديثة في أوزبكستان تحت عنوان »أوزبكستان الجديدة – النهضة الجديدة«. ويتناول هذا القسم الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الإصلاحات الكبرى التي شهدتها الدولة. قاعة مؤتمرات عالمية. يضم الطابق الأول أيضًا قاعة مؤتمرات تتسع لـ550 شخصًا، بُنيت وفق تصميم يجمع بين الطراز الوطني والعمارة الحديثة. وقد استضافت هذه القاعة في 14 نوفمبر 2025 حفل تسليم جائزة «تراث المستقبل» الدولية التي أُسست بمبادرة من رئيس أوزبكستان. كما استقبل المركز في الفترة ذاتها رؤساء دول آسيا الوسطى وأذربيجان الذين كانوا من أوائل الضيوف الرسميين للمبنى. مكتبة علمية متطورة. في الطابق الثاني تقع المكتبة الابتكارية للمركز التي تتسع لـ226 قارئًا. وتضم المكتبة ما يصل إلى 350 ألف كتاب مطبوع، منها: 100 ألف مخطوطة وكتاب مطبوع بالحجر، 250 ألف كتاب حديث. كما تضم المكتبة أرشيفًا رقميًا يحتوي على نحو خمسة ملايين مورد معرفي، إضافة إلى اشتراكات في دوريات علمية دولية. وقد أُنشئ في المكتبة مختبر متخصص لترميم المخطوطات وصيانتها، بهدف الحفاظ على التراث الوثائقي للأجيال القادمة. ومن المقرر أن تنتقل إلى هذا الطابق أيضًا إدارة مسلمي أوزبكستان، إضافة إلى مكاتب تمثيلية لمنظمات دولية مثل اليونسكو والإيسيسكو وإرسيكا وتُرك ساي، إلى جانب عدد من المراكز العلمية العالمية. وبهذا يطمح مركز الحضارة الإسلامية في طشقند إلى أن يصبح أحد أهم المراكز الثقافية والعلمية في العالم الإسلامي، وجسرًا معرفيًا يربط بين تراث الماضي وآفاق المستقبل. msaydumarov@gmail.com*