الفنان محمد سهيل في معرضه الأول ..

استلهام اليومي واستعادة المتخيل .

قدم الفنان محمد سهيل في معرضه الاول قبل اكثر من عام والمعرض المشترك مع مجموعة من الشباب في قاعة كاليري سلام عمر مجموعة من اللوحات التي تحمل سمات تجريبية تمثلت في رسم (ألعاب الطفولة ) مع استدعاء لمخيلة ترفض اقصاء المحلية والبقاء على ما يثير الحنين داخل الانسان وهذا ما حداه ان يتلاعب في رسوماته الاخيرة بتوظيف (الجمل واليشماغ ) وبدت لوحاته ذات تأثير واضح في الشعبي وتحديدا في خصوصية الرجل العربي البدوي وكأنه يريد الافصاح عن حكايات عالقة في اذهان الجميع وهو هنا يركز على ( مفهوم هويته ) العربية اولا ويتخذ قرارا مفاده ان اي فنان لن يكتب له النجاح دون المرور بهويته الشرقية والمحلية ليس من باب اجتراح المقارنة مع الاخر الغربي بل لان فكرة الانتماء عند محمد سهيل الى المحلية بدت لمحبي اعماله راسخة وثابتة القوام واذا كانت قد ظهرت لنا في مجموعة ( رسومات العاب الطفولة ) التي يحتضن بها الاطفال والتغني في براءتهم فان تكرار تلك المفردات انتقلت به الى الاحتفاء بعمق الصحراء وتمثيلها بطريقة ذات بعد رمزي محفوف بدافع الشعور باحترام خصوصية البيئة العربية وما تحمله من سمات مشتركة لها اكثر من طرق تواصل وتفسير ابداعي وانساني عرفت هذا الشاب فنانا مندفعا باتجاه التجريب بعد ان قدم للمتلقي مجموعة من رسوماته في الواقعية المفرطة ثم سرعان ما تلاقف فكرة الدخول لعوالم الطفولة من خلال مجموعة الرسومات التي اشرنا لها سابقا وهذا هو يجدد البحث في انتاج رسومات مختزلة بصريا لكنها عميقة في التصور والرؤية الثقافية والمعرفية .فهذا الفنان من النوع الذي لا يتسارع في تقديم افكاره داخل منظومة الرسم دون ان يجدد في رؤاه وطريقة بيان ما المفهوم الذي يوظفه ، واجد ان فعل المغامرة في انتاج عمل فني له خصوية من هذا النوع جاءت كتفسير يريد التحاور فيه مع الاخر (الغربي ) منطلقا من فكرة الشغف بالصحراء العربية وما تحمله من حيوانات تتحمل المشقة ولها باع طويل في مفهوم الصبر مثلما يحدث في رسمه للجمل الاصفر ويعيدنا رسم هذا الشكل الى ذلك الوصف العظيم في النص القرآني حينما اشار الله تعالى في قوله (كأنها جمالة صفر ) محمد سهيل يستلهم نص التراث الشعبي ومحليته والبعد الروحي للمنطقة العربية والشرق عموما ليغير من مفاهيم كثيرة نراها اليوم غارقة في اذهاننا عبر سنوات طويلة وكأنه في عالم الرسم يسحبنا نحو خيال المجتمع العربي ويشير لخطوطه العامة وهي دوافع انسانية تحتاج لتقديم رسومات مهمة سواء جاءت عبر الصياغة والبناء الفني او عبر منظومة الممارسة الجمالية .لقد بدت لنا مواضيعه اكثر حميمية وانتسابا للواقع ولكن الملفت فيها يكمن في قدرته في بناء الاشكال وانسجامها البصري وتبديده لمفهوم الاستهلاك الصوري ،وكأن فكرته مع المتلقي تكمن في الدعوة للانصهار في واقع سحري محاط بأحلام بسيطة لا تتعارض مع ارادة ما نحلم به ونريده امامنا ،قد ينتهي القول في لوحاته بمغالبة البعد الشرقي في بروز العمل وبيان حقائق وصدق موضوعته لكن في نهاية المطاف تتجلى كل تلك الرسومات ضمن قدرة متمايزة موضوعية تلقي بضلالها نحو هدفين الاول محاولة طرح افكار تسكن الخيال والواقع وثانيهما لابد من ان تخضع تلك اللوحة الى الدخول في مختبر الجمال البصري من حيث التكنيك وحجم الاجسام وطريقة التلوين مما يعزز في الوصول الى انتاج فن له مشتركات جمالية وثقافية فهل تحقق كل ذلك من خلال ما يقدمه هذا الفنان من جديد في طرح الافكار في اللوحات الاخيرة ؟ علينا الاعتراف في هذا الموضع بان محمد سهيل يستقي فكرة لوحاته من خلال مركزين مهمين الاول اهتمام لافت بالحياة وجزئيات قد تبدو مهملة وغير ملفتة وثانيهما انه يوجد علاقة بين خصوصيته والحس التجريبي في تقديم العمل الفني امام المتلقي فاذا كانت موضوعاته لا تخلو من تمثيل واقعي فان دلالاتها الاجتماعية هي بمثابة نقطة ارتكاز تحدد لنا مستوى الفكرة المطروحة واذا كانت لعبة المغايرة في الشكل داخل منظومة العمل الفني تنهض على صياغة وبناء اشكال منتظمة فان التساوي في تحكم مسار العمل بطابعه الخارجي اوجد استعارة لم تكن مموهة او محصورة في افق ضيق بل هناك ما يتوزع في حدود اساسية اولها الابتعاد عن الزخرفة في العمل وثانيهما طغيان لتأليف لوني بقدرة موسعة وخبرة مر عليها سنوات منذ طفولته وهو يمارس الرسم الواقعي في عمر الثانية عشرة نعم ان الفنان محمد سهيل يتعاطى مع الفكرة ضمن سياق تجريبي لكن علينا الاعتراف ايضا انها ممارسة متخيلة لها مرجعيتها الثقافية والجمالية وهي تخضع لاشتراطات ذات توجه فني وحس احتجاجي وليس انفعالي وهذا ما جعلها امام المتلقي ذات اهمية وضرورة فنية .