الفنانة التشكيلية فايزة بامسعود..

الفن التشكيلي أصبح سفيراً اليوم لثقافتنا وتراثنا .

من عفوية معرض البيت الصغير الذي أقامته في طفولتها، إلى تمثيل المملكة في محافل دولية بفرنسا وأمريكا وروسيا، صاغت التشكيلية فايزة بامسعود تجربة فنية استثنائية تمزج بين الواقعية الدقيقة وجماليات الحروفية العربية. وبخلفية أكاديمية في التصميم الداخلي، لم تكتفِ فايزة بامسعود بنقل الواقع، بل ابتكرت بصمتها الخاصة بالرسم على الخوص لتعزيز الهوية الوطنية، مقدمةً أعمالاً رصينة مثل مغزل السدو التي احتفت بها الأوساط الثقافية العربية. في هذا الحوار، نغوص في فلسفتها التي ترى في الفن رحلة عطاء تبدأ من التغذية البصرية لتصل إلى آفاق التمكين العالمي في ظل رؤية المملكة 2030 * بالعودة إلى «معرض البيت الصغير» الذي نظمتِهِ بعفوية في منزلكِ قديماً؛ ما الذي بقي في ذاكرتكِ من لحظة اقتناء «أميرة» لثلاث من لوحاتكِ، وكيف شكّل ذلك الاعتراف المبكر وقوداً لاستمراركِ الفني؟ ** تلك اللحظة لا تزال محفورة في وجداني بكامل تفاصيلها وعفويتها؛ فأن يلتفت شخص ذواق ويقدر محاولات طفلة صغيرة تكتشف شغفها، كان بمثابة صك اعتراف مبكر بأن ما أصنعه ليس مجرد خربشات أطفال، بل هو مشروع فنانة. اقتناء اللوحات الثلاث في ذلك العمر منحني ثقة هائلة، وكان الوقود والدافع الحقيقي الذي جعلني أتمسك بالريشة وأدرك أن للفن صوتاً يمكنه الوصول إلى قلوب الآخرين والتأثير فيهم. * إلى أي مدى ساهم تخصصكِ الأكاديمي في «التصميم الداخلي» في تعزيز قدرتكِ على بناء «تكوين اللوحة» هندسياً، وتوظيف الخامات والظلال بأسلوب يجمع بين الوظيفة والجمال؟ ** دراسة التصميم الداخلي كانت نقطة تحول جوهرية في مسيرتي الفنية؛ حيث منحتني «عيناً هندسية» قادرة على قراءة الفراغ والكتلة بدقة. من خلال دراستي، تعلمت كيف أبني تكوين اللوحة بشكل متزن، وكيف أوزع النسب والظلال والضوء بأسلوب علمي مدروس. هذا المزيج الأكاديمي جعلني لا أتعامل مع اللوحة كسطح مسطح فقط، بل كفضاء ثلاثي الأبعاد تتناغم فيه الخامات لخدمة الفكرة الجمالية والوظيفة البصرية للعمل. * لوحة «مغزل السدو» التي مثلتِ بها المملكة في دبي؛ ما هي الرسالة الفنية التي أردتِ تمريرها من خلال التركيز على حركة يد المرأة وهي تنسج تراثها كفعل وجودي يتجاوز التوثيق؟ ** في «مغزل السدو»، لم يكن هدفي مجرد توثيق حرفة قديمة، بل أردت تجسيد «صناعة التاريخ والهوية». التركيز على حركة يد المرأة وهو يغزل الصوف والنسيج هو احتفاء بالمرأة السعودية التي كانت ولا تزال حارسة لإرثنا الثقافي. أردت أن أبعث برسالة مفادها أن كل خيط ينسج هو حكاية صمود وانتماء، وأن التراث ليس ماضياً جامداً بل هو فعل ممتد وحي، نصوغه بأيدينا ليتوارثه الأجيال كجزء من كينونتنا. * بصفتكِ فنانة «حروفية» تجيدين الخط الديواني والكوفي؛ كيف توظفين حركة الحرف العربي كعنصر تشكيلي داخل فضاء اللوحة دون أن يفقد هويته اللغوية أو توازنه الزخرفي؟ ** الحرف العربي بالنسبة لي ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل هو كائن حي مليء بالمرونة والطاقة الحركية. عندما أوظف الخط الديواني بانسيابيته أو الكوفي برصانته الهندسية، أتعامل معه كعنصر تشكيلي خالص. أتركه يتمايل ويتداخل مع الألوان والظلال ليعبر عن بعد روحي وجمالي، مع الحفاظ الدقيق على قواعده وهيكلته الأصيلة، بحيث يظل الحرف محتفظاً بوقاره وهويته اللغوية حتى وهو يذوب في فضاء اللوحة الزخرفي. * انتقال ريشتكِ من الكانفس إلى الرسم على الخوص يمثل تحدياً تقنياً؛ فكيف طوعتِ نتوءات هذه الخامة التراثية لتصبح «بصمة فنية» خاصة بكِ تعزز الهوية الوطنية؟ ** الرسم على الخوص كان مغامرة فنية ممتعة وتحدياً حقيقياً؛ فالتعامل مع سطح غير مستوٍ ومليء بالنتوءات يختلف تماماً عن الكانفس الناعم. بدلاً من محاربة هذه النتوءات، قررت أن أتصالح معها وأجعلها جزءاً من العمل الفني. طوعت ضربات الفرشاة وكثافة اللون لترسم فوق خطوط الخوص، ليتشكل في النهاية تمازج يمنح اللوحة عمقاً ملموساً وإحساساً دافئاً بالعروبة والأصالة. هذا الأسلوب أصبح بمثابة بصمتي الخاصة التي تعكس هويتنا النخلية وتراثنا البيئي. * تنقلتِ بين رواشين جدة وألوان عسير في أعمالكِ؛ فكيف تستلهمين من التنوع الجغرافي للمملكة صياغات بصرية تعيد الاعتبار للتراث المعماري والحرفي؟ ** المملكة العربية السعودية قارة جغرافية وثقافية شديدة الثراء؛ هذا التنوع يمثل كنزاً ملهماً لأي فنان. عندما أرسم رواشين جدة التاريخية، أركز على تفاصيل الخشب، والضوء المتسلل عبر الحجاز، والعمق الإنساني فيها. وعندما أنتقل إلى عسير، تفرض الألوان الزاهية والقط العسيري بهندسته الفطرية نفسها على ريشتي. أنا لا أنقل هذه المشاهد فوتوغرافياً، بل أستلهم روح المكان وأعيد صياغته بصرياً برؤيتي الخاصة لأؤكد على عبقرية العمارة والحرفة السعودية القديمة. * في ضوء تمكين المرأة ضمن رؤية المملكة 2030، ومع إعلان العام الماضي 2025 عاماً للحرف؛ كيف تصفين تحول دور الفنانة السعودية من الرسم المنزلي الصامت إلى الانطلاق العالمي المؤثر؟ ** نحن نعيش في عصر ذهبي غير مسبوق بفضل رؤية المملكة 2030 التي آمنت بالمرأة وبالمبدع السعودي كعنصر أساسي في التنمية. التحول كان مذهلاً؛ فالفنانة السعودية التي كانت تمارس شغفها في مرسمها المنزلي الصامت، أصبحت اليوم سفيرة لثقافتها وتراثها في كبرى المحافل الدولية بفرنسا وأمريكا وروسيا وغيرها. إعلان عام 2025 عاماً للحرف منحنا كفنانين يدمجون التراث بالفن المعاصر منصة قوية لإثبات أن هويتنا وحرفنا التقليدية هي بوابتنا نحو العالمية والتأثير الثقافي الدولي.