حياة متقاعد (5)
من أحد أسباب نجاح بقاء قريتي وأهلها، حتى وصلت إلى جيلي من مواليد(1-7) تتلخص في أن عجلة التغيير كانت معطلة لأكثر من (8) قرون، وفقا لمؤشرات أحداث سوق جيولوجيات وتاريخيات وجغرافيات البشر. أصبح كل شيء موروث برتم ثابت. يؤدّى بضوابط مورثة لا تتغير. أصبحت الحياة ونظمها قوالب ساكنة وجامدة. هذا الثبات وبسببه أصبح كبار السن بيوت حكمة وخبرة. يأمرون فيطاعون. كانوا جاهزين دوما لأي طارئ. لا يتقاعدون لكن الى حياة الآخرة ينقلهم قطار النهايات راحة ورأفة بهم. ولدت لأجد قريتي هذه بحدود معروفة لبقية القرى الأخرى. بيوتها الحجرية القديمة حية. وتتحدث مع ساكنيها. يزداد البناء بنفس التصميم حتى يسهل توارث المهن المرتبطة ببنائها. جعلوها بيوتا معطاءة. قلاع حجرية مسكونة بالحب، والتعاون، والتكامل، والتكافل، والجودة، والتقشف، والفاقة. اسسوا حضارة الحجر ليحققوا استدامتها نفعا لأجيالهم. حتى شركاء الحياة لهم دور في هذه البيوت. يتوسعون في استثمار الحجر حسب معطيات الحاجة. ما يميزهم في تلك الفترات قدرتهم على العيش العائلي وبشكل جماعي تحت اشراف كبارهم في السن. يزدادون حكمة مع تقدمهم في العمر. أي يقل كلامهم وحراكهم وتزداد منفعتهم ومفعولهم، بعكسنا في زمن فقد هذا الدور، حيث يزداد كلامنا وتقل منفعتنا ومفعولنا. تحتل قريتي موقعا استراتيجيا على رأس هضبة تشرف على وادي طويل وضيق العرض. يتوسطه مجرى للسيول المنقولة. مصمم ببناء حجري لحماية المدرجات الزراعية حوله. عرفت قريتي باسم (الطلقية). لا أعرف المعنى. قد يكون بقايا من لغة منقرضة. تنتمي لقبيلة اسمها “الرهوة”. لهذه الكلمة علاقة بالماء. يطلق على الموقع الغني بالمياه. وجدته من أندر خمس كلمات في اللغة العربية. تعني اسم الشي ونقيضه. الطلعة الجبلية تسمى رهوة، وأيضا عكس الطلعة “النزلة” وتعني أيضا الرهوة. وجدت هذا يفسر شخصيتي المركبة والمعقدة كما يتهمني الزملاء. فشخصي يرتاح دوما لكل من يتهمونه بالتعقيد. لكل هذه التوليفة تأثير إيجابي في حياتي بعد التقاعد. منها أبحر بواسطة بساط الذكريات. استرجعها لتشدني للمكان. وحتى أنجح أسست لحياة الوحدة والعزلة التي أعيش. ذلك من أجل الحصول على ثمرة صفاء النفس وعمق الاستنتاجات الملهمة التي تغذي فكري وتجعله متقد العطاء. هذا يرضي شغفي بحياة التقاعد. كنية قبيلتي: [بني معجل]. أي أن كاتبكم المتقاعد (معجلي). لا تثيرون زوابع الأسئلة. أذكر هذا لتقديم تضاريس خارطة حياتي التقاعدية. أرجوكم.. تخلصوا من أسئلتكم في هذه المرحلة من الرحلة. لكل شخص حكاية وقصة مع نفسه ومع عشه الذي خرج منه. لا أكتب سيرة للمكان لكن أجسد وظيفته التي كانت. فقريتي كانت مكتفية ذاتيا. تقوم بتلبية حاجاتها الأساسية. ونتيجة لذلك يرددون: [الجود من الماجود]. لكل فرد وظيفة ودور وشأن. جميعهم يعملون بهدف تحقيق غاية واحدة، هي “البقاء” وليس غيره شي. يملكون مهارات صناعة تقنية البقاء. كل مهاراتهم ووسائلهم وأدواتهم مصممة لتحقيق هذه الغاية، وبنظم حياة منضبطة وملزمة ومتوازنة. حتى شركاءهم في الحياة تطالهم هذه الأنظمة، ويؤدون دورهم لصالح حياة القرية. اكتفوا بتطبيق وظيفة العقل الأساسية. المحافظة على بقاء الإنسان حيا في أحلك الظروف قسوة وصعوبة. بنوا حضارة حياة اطلقت عليها اسم: حضارة الرمق الأخير. ويستمر الحديث.