لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟ سؤال يتردد دائماً في كل مناقشة أو فعالية ثقافية أحضرها، وتتفاوت الإجابات بين من يبحث عن المتعة، وبين من يردد الإجابة الأكثر شيوعاً: أن القراءة رحلة سفر؛ فمن خلالها ننتقل إلى عوالم مختلفة، ونتعرف على حضارات وثقافات وشعوب لم نزُرها ولم نسمع عنها من قبل. تتعدد الإجابات، لكن القليل من يدرك أن قراءة الأدب، بعد مدة من الزمن، ليست مصدراً للمعلومات والمتعة فقط، وإنما وسيلة تعيد اتصالنا بإنسانيتنا. لأنني أنتمي إلى مجموعة قراءة، يُسألني الآخرون دائماً عن الكتاب الذي أقرؤه: هل هو ممتع؟ وهل يستحق القراءة؟ وغيرها من الأسئلة التي أصبحت تثقل هدف القراءة لدي شخصياً. ومع مرور الوقت، لم أعد أبحث عن المتعة في النص، ولا عن النص المثالي الذي يتضمن نهايات سعيدة. ورغم قسوة ما سأكتبه، فإن الأدب الحقيقي لا يمنحك الحلول، ولا يوجهك نحو النهايات السعيدة المثالية، لأن في هذه الحياة أموراً كثيرة لا بد لنا من مواجهتها وفهمها. جزء من الوعي الذي يحتاجه الإنسان هو إدراك ما يمر به حتى يتمكن من التعامل معه ومعالجته. ودائماً أتذكر حديث إحدى الصديقات عندما قالت إن القراءة خففت لديها وطأة ألم الفقد والعديد من المواقف الصعبة؛ فالأدب يعيد إلينا إنسانيتنا. ومع مرور الزمن، أصبحنا نادراً ما نقول إن هذه الرواية أسعدتنا بقراءتها، وإنما نتحدث عن الروايات التي لا تفارقنا، الروايات التي تلامس الإنسان الذي بداخلنا. قبل عدة أيام، وأثناء اطلاعي على حساب أحد القراء، وجدته يقرأ رواية أيام الهجران للكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي، التي تناولت مرحلة حرجة في حياة المرأة عندما تشعر بأنها تُركت خلفها، وسُلبت الحياة التي تستحقها. وكعادتها، أسهبت الكاتبة في وصف المشاعر الإنسانية وتعقيداتها دون تجميل أو تلطيف، فهي معروفة بإظهار الإنسان في رواياتها كما هو في الحقيقة، لا كما نتمنى أن يكون. تمر إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية بموقف مؤلم جداً، هو الانهيار الذي تشعر به المرأة عندما تواجه الخيبة. وهو موقف لا يمكن تجاوزه بسهولة، بل يبقى عالقاً في الذاكرة ومصحوباً بالألم، لأن ذلك الانهيار لم يكن التصرف الأمثل للدفاع عن حقها. لكن بعض النساء، حين يشعرن بالألم، يفقدن القدرة على التوازن والتصرف بحكمة، لأن المرأة عندما تُجرح قد تصبح أعنف من أي كائن على وجه الأرض. وصف الكاتبة لهذا المشهد لازمني سنوات طويلة، ولم أتمكن من تجاوزه. لذلك قلت لصديقي: إنها من الروايات التي أثرت بي ولم أستطع تجاوزها. أدهشني وعيه عندما قال: «لا أنكر أنني شعرت بالملل في بعض الصفحات، ومنحتها تقييماً غير مرتفع، لكنها من الروايات التي تعلق بالذاكرة». جعلني رده أعي أننا، في مرحلة عمرية معينة، لا ننظر إلى النص من زاوية المتعة فقط، بل ننظر إليه كتجربة وفكرة، ونسأل أنفسنا: كيف يمكن لكتاب أن يلازمنا رغم مرور كل هذه السنوات؟ فالأدب مبني على الحكايات؛ إنه يحكي عن أناس عاشوا قبلنا، ومروا بكل ما نمر به الآن. لقد علمتنا القراءة كيف نتعامل مع الفقد. فمن منا لا يذكر رائعة إيزابيل الليندي باولا، التي تحدثت فيها عن مراحل الفقد التي عاشتها منذ مرض ابنتها حتى وفاتها؟ ومن منا لا يذكر رائعة فيودور دوستويفسكي الجريمة والعقاب، التي تحكي الصراع النفسي الذي عاشه راسكولنيكوف عندما حاول تصحيح العالم بارتكابه جريمة قتل المرابية، ثم وجد نفسه أسيراً لتأنيب الضمير وأسئلته الأخلاقية؟ والخيبة التي شعرت بها السيدة هافيشام في رواية الآمال الكبيرة للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، عندما قررت أن توقف الزمن عند تلك اللحظة التي كانت تعتقد فيها أنها ستصبح سعيدة، وأن حياتها ستتغير إلى الأفضل. والرحمة والتسامح تجاه الآخرين كما في رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو؛ فليس كل من ارتكب خطأً إنساناً سيئاً، فقد تكون الحاجة هي التي دفعته إلى فعل لا يشبهه. لكن وعيه وإدراكه لضرورة التغيير عندما منحته الحياة فرصة أخرى، هو ما جعلنا نتعاطف مع الشخصية ونتسامح معها. كل ما ذكرتُه سابقاً كان سبباً في خلق هذا الوعي لدي، وفي إدراكي لأهمية الأدب في حياتنا. الأدب لا يعلّمنا كيف نعيش فقط، بل يجعلنا نعيش بعمق أكبر. * كاتبة من البحرين