قراءة في ديوان الشاعر عبد الله الخشرمي (تحوّلات الزمن اليخضور)..

رؤى فلسفية عميقة وغنائية باذخة وتوظيف فنّيٌّ للأسطورة وجماليات التشكيل.

شاعر ومفكّر يجمع بين شفافيّة الفنان وعمق االفيلسوف، له همومه الفكريّة وانشغالاته الإنسانيّة والوجدانيّة ، يجمع بين موهبة التشكيل الجمالي الإبداعي في اكتمال شروطه المألوفة ولغته العربية الرصينة ، والانفتاح على الحداثة في بناء الصورة الشعرية وتقنياتها المتجدّدة ، و الرمز بغموضه الشفيف والإيقاع برِتمه الخفي ، واللافت في رؤاه وموقفه طرح الأسئلة الكبرى ذات الطابع الوجودي في الكينونة والفناء والحب، والوطن، والإنسان، مما يضفي على نصوصه طابعاً تأمليّاً عميقاً. جمع في شعره بين أشكال متعددة متنقلاً بين القصيدة العمودية التقليدية برصانتها الوزنية وإيقاعها الملموس وقصيدة التفعيلة بما تتيحه من مساحات للتعبير وتنوّع في الرتم الإيقاعي وحرية التخييل و التصوير متحررة من قيود المشهد التقليدي و المجاز المدروس. يُعد ديوان “تحولات الزمن اليخضور” أحد أشهر دواوينه وأكثرها تميّزاً ونضجاً ، وهذا مألوف في الأعمال الإبداعيّة المُبكّرة عادة عند أغلب الكتاب ؛ إذ يحشد الشاعر إمكاناته ورؤاه في بواكير أعماله بقصد التميّز و اكتساب الشهرة ، ولهذا اعتبر هذا الديوان انعطافةً نحو الخصوصيّة الإبداعية التي تحمل ميزاته الأسلوبية و منهجه الإبداعي ، وأهم ما يميّزه تعبيره عن ثنائية المحيط البيئي والفكري وتنوّعهما حيث يقيم على التخوم الواقعة بين قداسة المكان في مكة المكرمة و ما يحيطها من أجواء روحية قُدُسيّة ومناخ ينتج خضرة يانعة فجاءت فضاءاته الشعرية متّسمة بمفارقة تجمع بين شدّة القيظ ودفء الشتاء وقسوته أحياناً، وبين خضرة يانعة وجمال طبيعيٍّ فائق في أبها ، ولهذا كان تركيزه على اللون الأخضر في عناوان الديوان وتفرده في وصفه ب(اليخضور) ما يعكس تعلّقه الوجداني بالبيئة؛ففي قصيدته التي تحمل عنوان الديوان يجمع بين عراقة التاريخ ومعاناة الأجيال والمكان وأعباء الوجود فيه، والتردّد بين المآلات و الأقدار في رؤية وجوديّة فلسفيّة عميقة تفترع سراً كونيّاً و مصيراً بشريّاً ، قَدَراً مقدوراً يقود إلى الحتف، ويجمع بين (القامة و القتيل) ازدواجية الوجود الفاره و المصير الآجل، في سبيله إلى حيث الموت المُحقّق ، فالعليل و الهديل فضاء الوجود و المتعة ، و الحتف الذي ينتهي بعد (سبعين جيل) و السبع و السبعين بمذخورهما الدلالي إشارة إلى حتميّات البدايات و النهايات ، حيث يستوي القليل و الكثير في المصائر وتتوحّد البدايات و النهايات : كنت للتوّ قبل قليل قبل سبعين جيل واحدا يتوكأ حتفا ويجتر فيه العليل . صورة تلتقطها عدسة خفيّة تسترق النظر و تستبق المصائر ، وتفترع المجاز بكناياته ورموزه ، وتعيد ترتيبها في سياقٍ شعريٍّ تحتجب فيه الدلالة وراء ستار شفيف (غرفة الهديل / لاأراني بها/ غيرأني أرى/ قامة و قتيل) رؤية زرقاء اليمامة وبصيرة فيلسوف المعرّة، وحراك دؤوب بين المكان و الزمان والوقائع و المصائر، حيث تحوّلات الزمان و تغيّرات المكان . وبين غنائية الذات وهمومها وذكر الجماعة وخطابها و استشراف مصائرها ترتحل بالشاعر رؤاه فتلامس أوجاعها : ( -إلى أين يا ربعنا / - مثخنون / - إلى أين يأخذنا الماء / للريح أو لعذوق الفراغ ... المهابة .. الزلزلة ) يذكرنا بقصيدة الشاعر محمد العلي (لا ماء في الماء ) حيث يقول (وارد الماء مر بلا ماء) و تتقاطع حوارياته و غنائياته في تناغم مستجلباً صوت الأنثى التي تتماهى فيها المعشوقة و الوطن، وتتراسل الواحة و الشجن مُستدعية مرافئ الخلاص في أحضان (الديرة و الوطن) “ حضورك يبعثني من رمادي / ويوقد غيبوبتي نشوة في الجنوب المباغت “ وتتراوح الصورة عنده بين استدعاء شجّيً لمكنونات الوعي واستشرافات عميقة تغوص في مدائن الداخل وقارّاته استكشافاً تفتضح معه المكنونات عبر تداعيات الصورة الحرّة في لملمتها لرموز وخيالات وافتراعات للمجاهيل واستقراء لغموض شفيف و تصريح ملتبس ، وافتراش لمساحات من خيل مُنطلق في فضاءات بلا حدود و لا قيود، تتراسل مع التأويل بآفاقه المترعة بالمعنى وغموضه الحافل باليقين . وإذ بدا ما قيل في شأن الديوان من توصيفات عامة عن استنكاف الشاعر في التعامل مع الزمن بوصفه فضاءً له حمولته الوقائعيّة ، وأنّه يستبدل به رؤىً تخترق سيمترية الوقائع في انتظامه عبرها ؛ بل يستشفُّ ما تنطوي عليه من دلالات، ويتحوّل به إلى حمولات دلاليّة تتّسع لآفاق تأويليّة شاسعة في هذا النص الشعري الذي ينسج خيوط “الزمن اليخضور”، تبرز عشتار كرمزٍ أسطوريٍّ مطلق الدلالة على الجمال و الحياة وطموح الشاعر ليصل إلى تجلِّياتها في أبهى صورة ، يطمح الشاعرإلى تحقّق الحياة في أبهى حُللها ترجمة لرمزيّة الشخصية في جوهرها متجاوزاً سرديّتها الأسطورية : ظلك قيدي ويداك ضفائر ريح ونساء من سعف وزجاج إنها جوهرٌ وجوديٌّ مكتمل يرتق الشمس ويعيد الخضرة، أحزان الشاعر زنبقة الحور ، إنها التشبث بالأمل بالمعنى و الجوهر ، إنه السّعي الدؤوب لإدراك الحياة بمعناها الحي . وتعد أسطورة عشتار (المعروفة في الميثولوجيا السومرية بـ “إنانا”) واحدة من أقدم وأعمق الأساطير التي عرفتها البشرية، وتحديداً في بلاد ما بين النهرين. هي أسطورة لا تكتفي بسرد حكايات الآلهة، بل تضع اليد على التناقضات الجوهرية في النفس البشرية والطبيعة ؛ إذ تدور الحكاية حول “عشتار”، إلهة الحب والخصب والحرب، التي تقرر القيام برحلة جريئة إلى “العالم السفلي” (عالم الموتى) الذي تحكمه أختها “إريشكيجال”. عند كل بوابة من بوابات العالم السفلي السبع، كان يتوجّب على عشتار أن تخلع قطعة من ثيابها أو حليّها (رمزاً لزوال قوتها الدنيوية)، حتى دخلت إلى عالم الموتى عارية تماماً ومجردة من سلطتها. تموت عشتار وتُعلق جثتها على مسمار، و نتيجةً لغيابها يتوقّف الخصب على الأرض، وتذبل النباتات، وتتوقف الكائنات عن التكاثر. إذ ينهي الشاعر قصيدته ب هذا المقطع يفصح عن رؤيته وطموحه إلى التخلّص من الجفاف والموات و الجمود على نحو ما فعلت عشتار التي بدت رمزا لهذه العودة الآمنة : “أنا فاتحة يا عشتار / أنا تموز الماء .. ونار الخصب/يصعد في ملكوت التيه دمي هبي في وعثائي /إرقي .. إرقي خوصة قلب /يتبركن كلك في رمضائي مفيضك أحصنة تتناسل مني / هبي في أدغالي” تدرك الآلهة أن استمرار الحياة مرهون بعودتها، فيرسلون لإنقاذها، تنجح الرحلة في إعادتها للحياة، لكن بشرط أن تختار بديلاً لها ليحل محلها في العالم السفلي، فتختار زوجها “تموز” (إله الراعي والخصب) ليقضي نصف السنة في عالم الموتى ونصفها الآخر في عالم الأحياء؛ فالشاعر يستثمر هذه الأسطورة في بحثه عن تجليات الحياة ورفض الموت . فالأسطورة تعبير رمزي عن تعاقب الفصول، ذهاب عشتار (الخصب) إلى العالم السفلي يمثل “فصل الشتاء” أو الجفاف، وعودتها تمثّل “فصل الربيع” والبعث ، إنها فلسفة مفادها أن الموت ليس النهاية، بل هو جزء من دورة الحياة الأوسع وتعبير عن ازدواجية الموت و الحب ، تلك المفارقة التي استثمرها الشاعر في التعبير عن رؤيته عبر جمالياتها ؛ فالمفارقة جوهر الفن . وتوق الشاعر إلى معرفة الحقيقة بعيداً عن بهرجتها الشكليّة وزينتها الزائفة (رؤية فلسفية بالغة العمق ) فعشتار تبدو بديلاً لتموز ؛ فالوجود و الفناء هما جوهر الكينونة الإنسانية ؛ ولا يمكن رؤية الذات و الإطلالة في أعماقها دون إدراك هذه الحقيقة ؛ فالحياة تنهض على مغالبة الخضرة بوصفها رمز الخصوبة و الحياة والتجدّد و مغالبة الجفاف ، وهذه رؤية فلسفيّة تأمليّة بالغة العمق . وثمة ما يمكن أن يقودنا إلى تصوّرعشتار بوصفها قناعاً للشاعر ؛ ولكن القناع في الشعر هو تقنية فنيّة وأداة تعبيرية يلجأ إليها الشاعر ليتحدّث من خلالها عن تجربته الذاتيّة، همومه، أو رؤيته للعالم، والأمر هنا ليس كذلك ، وإن بدا قريباً من هذا المفهوم ، ولكنها أمثولة رمزية يفسر بها رؤيته فيما يعرف ب(الأليجوريا) ولكن على نحو مغاير؛ ففي الأمثولة الرمزية يمكن ترجمة عناصرها لما ترمز إليه مباشرة و الأمر هنا ليس كذلك ؛ بل الدلالة تُستَشفّ من مجمل الوقائع في الأسطورة في إضاءة مُتبادلة تقترب من الوظيفة التي ينهض بها (التناص) ولعل قصيدته التي ختم بها الديوان تنبئ عن ظاهرة حداثيّة بالغة الدلالة حيث تنشطر الذات في حوارية مونودراميّة ، يخاطب فيها الشاعر ذاته ، وقد اختار لها عنوان (الغياب) يستقصي جوانبها في سلسلة من التجلّيات التي تتشكّل في الوعي و اللاوعي (النهر و القهر و الساهمون ) والتعب الذي لم يجيء شأن الشاعر في لحظته الإبداعية، سور يحيط بالذات ما يلبث أن يخترقه في رحلة الأعماق (الطفولة تجهش فيك) ثم يأتي الانتقال إلى وعي الذات فيأتي الخطاب بضمير المتكلم وفق بلاغة الالتفات : وقفت على حد إغفاءتي انهزمت مشيت ، وهكذا تتناوب الذات المتحاورة بين شطريها ، فتتم المصارحة التي تشير إلى الذات متوحدة في غربتها: وحدك منتبه للغياب ووحدك منتبه لليباب ووحدك مستبسل في البريق السراب ديوان قريّ بجماليالتها ورؤاه ، وما هذه المقالة سوى إطلالة خاطفة