كم يَظلم الناسُ القُضاةَ!

نقتبس عبارةً جميلة لتكون عنواناً لهذا المقال، وهذه العبارة كتبها الأستاذ “أحمد بن زيد الدعجاني”، في مُقدّمة كتابه: “محمد بن إبراهيم البواردي”، وهو كتابٌُ تناول سيرة حياة القاضي الأديب الشيخ “البواردي” رحمه الله. يقول الأستاذ “الدعجاني”: “كم يَظلم النّاسُ القًُضاة، فيصِفُهم بعض الناس بالتجهّم، ويصِفهُم آخرون بالقسوة، حتى نزعوا عنهم كلّ صِفات اللُّطف واللّيونة والمحبّة، فثَبتتْ الصورة المُتجهّمة لهُم في أذهان الناس، فلا نتخيّل أبداً أنهم يُطلقون الطرائف العجيبة، ولا نتوقّع أن يبتسموا، أو نُشاهدهم وهُم في حال التبسّط والطّلاقة”. ثم يقول: “قلَبَ الشيخ “محمد البواردي” الموازين المعروفة عن القُضاة، مُتأثّراً بالحِكمة القائلة “لكلّ مقامٍ مقال”، حتى لا يستهين الجُهَلاء به، ولا يعبث العابثون بميزان العدل الذي يُمسكه بين يديه.. ففي مقامٍ آخر تَجدُ تحت جوانحه قلباً مُرهَفاً يعشق الجَمال، ويتفاعل مع المقطوعة الشّعرية الغزَلية العفيفة، ويَبِشُّ للمُلَح الرائعة، ويتجاوب مع الناس بكلّ مشاعر النُّبل والإخلاص”. وُلد الشيخ “البواردي” في مدينة “شقراء” في عام 1320 هجرية، وبها كانت طفولته وصِباه وتعلّم أبجديات القراءة والكتابة، وكما هو الحال في ذلك الوقت؛ فقد كان طريق طلب العِلم على يد العُلماء والمشايخ في المساجد في “شقراء” و”الرياض”. وقد تولّى الشيخ القضاء في عام 1345 هجرية، وتدرّج في سلك القضاء إلى أن عُيّن قاضي تمييز في عام 1386 هجرية، وتقاعد عن العمل في عام 1394 هجرية، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في “الرياض” في عام 1404 هجرية. لقد كان الشيخ، مع ما له من مهابةٍ علمية وما هو عليه من وقارٍ والتزام بمُتطلّبات حمل العلم الشرعي والانتساب إليه، إلا أن الطُّرفة الأدبية واللّمحة الشّعرية وسُرعة البديهة فرضتْ نفسها عليه، فصار بذلك في عداد الأدباء، فضلاً عن اعتباره في عداد العُلماء. وكان الشيخ موهوباً في الشّعر، وقد قال: “إنه يجري على لساني أسرع من الكلام”، لكنه كان حريصاً على أن يكون شِعرهُ في أسماره محدوداً بأصدقائه، ولهذا فإنه كان يرجو ممّن يُسمِعه شيئاً من ذلك ألا يٌخرِجه للناس. ومن دعاباته الشّعرية، أنه عندما بلغ عُمره ثمانين عاماً أنشد هذين البيتين، يعرض فيهما صفقة العُمر على الشباب ويتمنّى منهم قبولها، وسيزيد من يرغب الشراء عن الثمن الذي يحدّده، فيقول: يا من يبادلني بعمري وازيده إن كان عمره ما تعدّى الثلاثين يأخذ خلق عمري وآخذ جديده وش لي بعمرٍ طاعنٍ في الثمانين؟ ومعنى (خلَق) أي: قديم أو مُستعمل، و(خلَق عمري): أي عُمري المُستهلَك! وفي إحدى جلسات الشيخ مع بعض الأساتذة، كانوا يتدارسون “لاميّة ابن الوردي” التي مطلعها: اعتزلْ ذِكر الأغاني والغزَلْ وقُل الفصلَ وجانِب مَن هزَلْ فأحبّ أن يُمازحهم، وارتجل بيتين من الشّعر على وزن اللّامية، وقال: لقد ذكر “ابن الوردي في لاميّته: إنّما (المِجبابُ) كالهندِ لنا كلّما رُمنا بهِ شيئاً حصلْ تَجِد الكُرّاثَ والقِثّا بهِ مع بيضٍ ودجاجٍ وبصَلْ فاستغرب الحضور ما سمعوا، وقال أحدهم: “لقد قرأتُ اللّامية وحفظتها، ولم أجد هذين البيتين فيها”! فقال الشيخ: “لعل هذين البيتين مُعلّقان في إحدى النُّسخ المحفوظة القديمة “. وبعد مُدّة، أخبرهم الشيخ بالحقيقة، وأن (المجباب) المذكور ما هو إلا سوق صغير في “شقراء” مُخصّص للنّساء، فصارت نادرة! وزاره بعض أصدقائه في منزله الواقع شِمال عمارة “الباخرة” بشارع “الخزّان” بالرياض، واستشهد بالبيتين القديمين: ومِن المروءةِ للفتى سُكناهُ داراً فاخرة فاشكُر إذا أوتيتها واعمل لدار الآخرة فأضاف لها الشيخ بيتاً من تأليفه يقول: واشتر لنفسك فِلّةً واسكُن شِمال الباخرة!