يبدو أن عصرنا الحالي يعاني من حساسية مفرطة تجاه صعوبة الحياة، فكلما كانت الحياة على هذا الكوكب البائس أصعب وأكثر تعقيداً، ازداد الإقبال على من يشرحها في دقيقة ونصف، مصحوبة بموسيقى ملهمة وابتسامة واثقة لا نعلم إن كانت نتيجة الحكمة أم نتيجة فلتر تصوير جيد! وبعيداً عن النوايا، يزخر الإعلام بمنصات تسوّق لأفكار تبدو منطقية للوهلة الأولى، حتى تكاد تشعر أن البشرية طوال آلاف السنين كانت ترتكب خطأً فادحاً لأنها لم تستمع إلى نصائح هؤلاء قبل ظهور الإنترنت! خذ مثلاً رائد الأعمال الذي لا يتجاوز عمره منتصف الثلاثين، لكنه يتحدث عن خبراته كما لو أنه كان المستشار الاقتصادي للفراعنة، أو أنه حضر اجتماعاً مغلقاً بين ابن خلدون وآدم سميث، فيبدأ حديثه بثقة كاملة: اقترض مئة ألف ريال من البنك، ثم يستعرض أمامك حسبة بسيطة، أو لنقل “ساذجة”، تنتهي بعد ثلاث سنوات بأرباح تتجاوز بضعة ملايين! وحين تنظر إلى المعادلة باحثاً عن المخاطر أو الاحتمالات أو المفاجآت التي تعج بها الحياة، تشعر كأنك شخص سلبي لا يؤمن بالأحلام، أما هو فيبدو مقتنعاً بأن السوق يتحرك وفق «جدول إكسل»، وأن الفشل مجرد إشاعة أطلقها الكسالى! وأعترف أنني كلما سمعت بعض هؤلاء يتحدثون عن خبراتهم الطويلة، راودني الفضول لمعرفة متى بدأت هذه الخبرة تحديداً ، وربما من الإنصاف أن نحسب الأشهر التسعة التي قضاها أحدهم في بطن أمه ضمن سنوات الخبرة التي يتباهى بها، وإلا فالأرقام لا تبدو متماسكة بما يكفي. ثم يأتي النموذج الآخر، وهو ابن العائلة الثرية الذي يصر على إقناعك بأنه بدأ من الصفر، ويالهذا الصفر اللعين الذي أصبح بطلاً قومياً في قصص النجاح الحديثة! لا أدري من أقنع هؤلاء بأن الثروة لا تكتمل إلا إذا مرت عبر إدعاء بوابة الصفر،والمفارقة أن أمثالي قضوا أعمارهم يحاولون التخلص من هذا الصفر، بينما يتغزل به الأثرياء كما لو كان أحد أقاربهم الأعزاء ( تخيل أن يشتمك أحدهم: أيابن الصفر)! يحدثك الرجل عن معاناته، ثم تكتشف لاحقاً أن “البداية من الصفر” تعني أنه كان يمتلك شبكة علاقات تعادل ميزانية دولة صغيرة، وأن اسم عائلته وحدها عبارة عن علامة تجارية تفتح أبواباً لا تفتحها آلاف السير الذاتية! لكن أكثر ما يثير إعجابي هو تلك القدرة العجيبة على اختزال النجاح في تفاصيل عبثية، فهناك من كوّن ثروته لأنه استغنى عن قهوته الصباحية منذ كان طفلاً- تخيّل- ولا أعرف ما اسم تلك القهوة أصلاً، لكنني بدأت أشك أنها ليست مشروباً، بل منجم ذهب سائل أهدرناه جميعاً دون أن ندرك، ولو صدقنا هذه الروايات، فإن المشكلة الاقتصادية العالمية يمكن حلها بإلغاء المقاهي! أما إذا لم يجد صاحب القصة حكاية مناسبة تلامس العاطفة، فإنه يلجأ إلى السلاح الأخير: دعاء الوالدة! وهنا تصبح محاصراً أخلاقياً ومنطقياً في آن واحد ( مغالطة رجل القش) ، فإن ناقشت الفكرة، بدوت وكأنك تعترض على بر الوالدين ، وإن سألت عن الأسباب الاقتصادية أو المهنية أو الاجتماعية، شعرت كأنك متهم بمحاربة القيم الروحية! إنها واحدة من أكثر الزوايا راحةً لمن لا يملك تفسيراً مقنعاً، وأضيق الزوايا على من يحاول التفكير.. ولا تكتمل الصورة دون مدرب التنمية البشرية الذي يستيقظ الرابعة فجراً، ثم يتحدث عن الأمر كما لو أن الشمس لا تشرق إلا بعد أن يمنحها الإذن بذلك. يروي لك كيف غيّر حياته بالاستيقاظ المبكر، فتشعر للحظة أن مشكلتك ليست في الدخل أو الفرص أو الظروف، بل في أنك لم توقظ الديك قبل الفجر!، رغم إنك في أحيان كثيرة أذنت بدلاً عن ذلك الديك! وهناك أيضاً المؤثر الذي يبيع دورات عن الثراء، ثم تكتشف بعد بحث متواضع أن مصدر ثروته الأساسي هو بيع دورات الثراء نفسها ، إنها دائرة فلسفية مكتملة الأركان: كيف أصبح ثرياً؟ لأنه يعلّم الناس كيف يصبحون أثرياء..ولماذا يشتري الناس دوراته؟ لأنه ثري! وربما هنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالإنسان بطبيعته يحب القصص البسيطة، بينما الحياة مولعة بالتعقيد ، نحن نبحث عن سبب واحد لكل نجاح، وعن مفتاح سحري لكل باب مغلق، لأن الاعتراف بتشابك العوامل أمر مرهق للذهن ومخيف للنفس! لذلك تزدهر وصفات النجاح المختصرة، لا لأنها صحيحة دائماً، بل لأنها مريحة، أما الواقع، ذلك الكائن العنيد، فلا يزال يرفض أن يتحول إلى منشور تحفيزي أو مقطع مدته ستون ثانية! وربما كان أخطر فخ في تبسيط الحياة أننا لا نكتفي بشرح العالم، بل نحاول اختزاله حتى نفقد معناه، وحينها لا يعود النجاح نتيجة فهم أعمق للحياة، بل مجرد قصة جميلة تصلح للمشاركة… أكثر مما تصلح للتصديق!