كيف تجرحنا الكتابة.
بين قوسي حقيقة الشعور وعجب الإجابة، حين نفيض للكتابة، فتُزخرف محاولاتنا التي تعبت من الوقوف على جُمل قصيرة. حين نقف على أطراف دهشتنا من عكس ما نشعر، عندما نكتب تغدو الأصابع خشبًا، والأقلام فأسا يحطم الخبايا، فيسقطها على بياض الورق دون ترتيب ،ويضعنا أمامها كالمرآة لنواجه ما كُنا نهرب منه. حينها تكون الكتابة تجربة مواجهة ليس تعبيًرا وحسب، وتكون الكتابة بصفتها مواجهة بأن تَجلد بسوط اسئلة لماذا، وماذا. ما الذي أتهرب من رؤيته، وما الذي يجب أن يُقال رغم صعوبته، فالكاتب حينها لا يكتفي بوصف الألم بعبارات، بل بكشفه من أين جاء، وما الذي يخفيه، رغم أن بعض ما يُكتب جميل لكن لا يُعالج. الحقيقة في الكتابة أقل زخرفةً لأنها تواجه ، لا تُعبر، فزخرفة الكتابة تجعل للحقيقة حجاباً للهرب، اما المواجهة فهي تقبض روح الجذور. تجرحنا الكتابة لأنها توقفنا على حد سيف بين الخوف والرغبة ،تكشف ساق هشاشتنا ،تكسر الباب المؤدي لذواتنا العميقة فتندفع رياح من مشاعر وأفكار و أزمنة كثيرة فتُسقط أقنعتنا وتحاكي تناقضاتنا، تبعث الشعور الذي نحياه مرة أخرى من بعد دفنه بفعل خيط رفيع تصنعه نية الكاتب ووعيه بنفسه يفصل فيه القوة عن القسوة ،فتنتقل الكتابة من أداة تؤلمنا إلى وسيلة تمنحنا القوة. وبين الألم والفهم، حين نكتب بوعي، على الورق نجد قوة الإصبعين على القلم تفكك عٌقدًا وتعيد صياغة ما حدث، لا نغير التجربة، لكننا نغير موقعنا منها، يحل ضوء الأدراك بلطف العبارة. حين نكتب لننزف فقط ، نبقى عالقين بقوسي التجربة ،أما حين نكتب التجربة نفهم و نتحرر، فما يُكتب يُفهم، وما يُفهم يمكن التعامل معه وهذا التحول بحد ذاته قوة. حينها يكون الألم ليس من الكتابة، بل من الحاجز الذي ترفعه بفعل المواجهة فتكون القوة حينها ليست في الكلمات نفسها، بل في الوعي الذي يقودها فتنتقل حينها الكتابة من مجرد فن أو تعبير إلى فعل وجودي علاجي.