يُعدّ فرانز فانون واحدًا من أبرز الوجوه الفكرية والنضالية في القرن العشرين، وأحد أكثر الأصوات التي شكّلت الوعي التحرري في إفريقيا والعالم. ورغم أنه وُلد في جزر المارتينيك سنة 1925 لأسرة منحدرة من أحفاد العبيد، فإنّ مسيرته الفكرية والإنسانية ستقوده بعيدًا عن موطنه، نحو الجزائر، حيث وجد في ثورتها التحريرية المعنى الكامل لفلسفته الإنسانية والوجودية. وُلد فانون في بيئة تحمل آثار الإرث الاستعماري الفرنسي، وترعرع وسط طبقة متوسطة، لكنّه سرعان ما اكتشف تناقضات “فرنسيته” المفروضة على أبناء المستعمرات. شارك شابًا في المقاومة الفرنسية ضد النازية، قبل أن يتتلمذ في المارتينيك على يد الشاعر والمناضل إيمي سيزار، الذي شكّل أحد أهم منعطفات حياته الفكرية. انتقل فانون بعد الحرب إلى فرنسا لدراسة الطب النفسي بجامعة ليون، غير أن شغفه بالفلسفة والأدب قاده لقراءات واسعة لهيغل، ماركس، ليفي-ستروس، لينين، وفرويد. هذا المزج بين العلوم الإنسانية والنفسية سيُصبح لاحقًا حجر الأساس لأعماله التي ستحظى باهتمام عالمي متزايد. الطبيب الذي اصطدم بجدار الاستعمار عام 1953 أُرسل فانون إلى مستشفى البليدة للأمراض العقلية بالجزائر. هناك اكتشف، لأول مرة، كيف يمارس الاستعمار عنفه البنيوي حتى داخل الفضاء الطبي. فقد لاحظ التمييز الصارخ بين المرضى الأوروبيين والجزائريين، واكتشف أن “الطب الاستعماري” لا يعالج بقدر ما يُعمّق الجرح النفسي للمستعمَر. سعى فانون لتطبيق أساليب العلاج الاجتماعي، فأسّس جريدة داخل المستشفى ومقهى تقليديًا وملعبًا لكرة القدم، ودمج الموسيقى في العلاج. غير أن مقاومة الإدارة الاستعمارية، ومعاينته لمعاناة الجزائريين، حملته على الاستقالة سنة 1956، في رسالة شهيرة شكّلت إعلانًا صريحًا بانحيازه إلى الثورة. لم يكتف فانون بالتنظير، بل انخرط فعليًا في العمل الثوري. وفّر الدواء والمعلومات لجيش التحرير، ونسّق مع مناضلين فرنسيين متعاطفين، واندمج بسرعة في نسيج الثورة. استفادت منه جبهة التحرير كطبيب ومنظّر وصحافي في جريدة “المجاهد”، ثم كدبلوماسي وسفير لدى غانا، وممثل للثورة في عدة مؤتمرات دولية. لقد وجد فانون في الجزائر فضاءً حيًا لتجسيد أفكاره عن التحرّر، حتى بات بالنسبة للثوار واحدًا منهم. وقد تساءل المناضلون الجزائريون بدهشة: كيف لشاب في مقتبل العمر أن يجمع كل هذا العلم والمعرفة، وأن يضعه في خدمة شعب ليس شعبه ولغة ليست لغته؟ فكرٌ ثوريّ… من نقد الهوية إلى فلسفة التحرّر ترك فانون مجموعة من الأعمال التي تُعد اليوم مراجع أساسية في الفكر المناهض للاستعمار. من بينها: “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” (1952): تحليل نفسي عميق للزنجي في العالم الاستعماري، وللاغتراب الذي يخلقه الاستبطان العنصري. “السنة الخامسة للثورة الجزائرية”: دراسة اجتماعية دقيقة لتحولات المجتمع الجزائري تحت تأثير الثورة، خصوصًا فيما يتعلق بالمرأة والأسرة والتقاليد. “من أجل الثورة الإفريقية”: مقالات ونصوص نظرية حول مستقبل إفريقيا بعد التحرّر. “معذّبو الأرض” (1961): الكتاب الأشهر، و”إنجيل الشعوب المقهورة”، الذي صاغ فيه نظريته حول العنف كقوة مطهِّرة تُعيد للإنسان المستعمَر إنسانيته المسلوبة. يرى فانون أن العنف الاستعماري الممنهج لا يمكن مواجهته إلا بعنف مضاد منظّم، وأن الثورة ليست فقط تحرّرًا من الاحتلال، بل ولادة إنسان جديد ومجتمع جديد. هنا يلتقي عمله مع تحليلات إدوارد سعيد الذي أكد أنّ قراءة فانون الكاملة لم تُنجز بعد. كما اعتقد فانون أن الفلاحين، لا العمال، هم الطبقة الثورية الحقيقية في البلدان المستعمَرة، لأنهم يحملون في داخلهم جذوة الغضب التاريخي والرغبة في التحرّر. أصيب فانون بسرطان الدم (اللوكيميا)، وبعد صراع قصير مع المرض توفي نهاية 1961، في لحظة كانت فيها الثورة الجزائرية تقترب من النصر. أوصى أن يُدفن في الجزائر، فكان له ما أراد. رقد جسده في مقبرة مقاتلي الحرية بالحدود الشرقية، بينما ظل اسمه حاضرًا في وجدان الجزائريين والعالم الثالث. لم يكن فانون جزائريًا بالولادة، لكنه كان كذلك بالانتماء والإيمان والاختيار الحر. خلع “فرنسيته” بإرادة واضحة، ووقف مع شعب رأى في معركته صدى لمعركة الإنسان ضد كل أشكال القهر. رحل فانون في السادسة والثلاثين فقط، لكنه ترك إرثًا فكريًا ونضاليًا يفوق أعمارًا طويلة. فهو الطبيب الذي فهم جسد المستعمَر، والمفكر الذي شرّح عقل المستعمِر، والمناضل الذي عاش الثورة وكتبها، قبل أن يُصبح رمزًا خالدًا لكل الشعوب الباحثة عن الحرية والكرامة. يبدو حضور فرانز فانون في السينما أكثر من مجرد استعادة لسيرة مفكر ثوري؛ إنه استعادة لوعيٍ كامل، ولمشروع فكري وسياسي شكّل أحد أعمدة نقد الاستعمار في القرن العشرين. فمنذ أواخر الستينيات، حاولت السينما – الأوروبية منها والعربية على السواء – الإمساك بهذه الشخصية المعقدة، وبالمسار الذي جمع بين الطب النفسي والممارسة الثورية والتحليل الفلسفي. وهكذا بدأ حضور فانون مبكراً عبر فيلم “معذّبو الأرض” لفالنتينو أورسيني (1969)، وهو عمل جسّد تلاقي “سينما التدخل” الأوروبية مع قضايا التحرر في بلدان الجنوب، مقدّماً مقاربة بصرية لأول مرة لأحد أكثر النصوص اشتعالاً في الفكر الثوري الحديث. وأيضا “بشرة سوداء، قناع أبيض: لإسحاق جوليان ومارك ناش، عام 1996 فيلم وثائقي يتناول أول أعمال فانون الرئيسية، ويعتبر أول عمل سينمائي يتناول شخصيته. ليسلّط الضوء على حياة فانون وكتاباته النفسية. غير أنّ الموجة الأكثر أهمية في تمثيل فانون سينمائياً جاءت من الجزائر نفسها، البلد الذي عاش فيه تجربته الأكثر كثافة وتحوّلاً. ففي فيلمه الروائي “فانون” (2024)، يقدّم عبد النور زحزاح قراءة سينمائية تعتمد الأبيض والأسود خياراً جمالياً يحاكي توتر المرحلة الدرامية. يركّز الفيلم على تجربة فانون في مستشفى البليدة منذ 1953، قبل عام واحد من اندلاع الثورة التحريرية، ثم التحاقه بالمقاومة عام 1956. ويمثّل أداء الممثل ألكسندر دوزان أحد أهم عناصر العمل، إذ ينجح في تجسيد طبيب حمل آثار العنصرية التي عاشها في فرنسا، قبل أن يصوغ نقداً جذرياً للطب النفسي الاستعماري ويقارب الاستعمار بوصفه مرضاً اجتماعياً. قدّم زحزاح عملاً كثيفاً فكرياً ووجدانياً، امتداداً لوثائقيه السابق “فرانتز فانون: ذاكرة منفى” (2002)، الذي رسّخ موقعه ضمن “سينما العالم الثالث” وجماليات التحرير. في المقابل، يعود المخرج الفرنسي جان كلود بارني عام 2025 بفيلم “فانون” إلى الأسئلة نفسها، لكن من منظور مختلف. فبارني، القادم من خلفية فنية غوادلوبية، يختار لغة بصرية تعتمد الإيحاء والاقتصاد في الحوار، ساعياً – كما يقول – إلى إدخال المشاهد في “مغامرة فانون من الداخل”. ورغم الميزانية المتواضعة والجدل الذي أثاره توزيع الفيلم في فرنسا، فإن العمل طرح أمام جمهور أوسع صورة فانون كطبيب ومناضل، وكجزء من الذاكرة الاستعمارية التي ما تزال فرنسا تتردد في مواجهتها. ولعل المفارقة الدالة هي أنّ التضييق على عرض الفيلم قابله انتشار واسع على شبكات التواصل، ليصبح المادة الأكثر تداولاً حول تلك الحقبة. تحاور هذه الأفلام – الوثائقيات والروائيات – البُعد الإنساني والوجودي في فكر فانون: الطبيب الذي يواجه نسقاً طبياً عنصرياً، والمثقف الذي يُشرّح بنية الاستعمار، والمناضل الذي يرفض أن يبقى شاهداً بل يصير فاعلاً. وبينما تحاول السينما الجزائرية استعادة فانون بوصفه جزءاً من سرديتها الوطنية، تسعى السينما الفرنسية إلى مساءلة إرثها الاستعماري من خلاله، وإن كان ذلك بإيقاع متردد ومشحون. إن الحضور السينمائي المتنامي لفانون ليس مجرد احتفاء بذكرى ميلاده المئوية، بل هو دليل على راهنية أفكاره. فالرجل الذي رأى في الاستعمار منظومة تُنتج العنف والاغتراب ما يزال، اليوم، يقدّم أدوات نقدية لفهم عالم تتجدد فيه أشكال القمع والعنصرية. وبهذا المعنى، تتحول السينما إلى فضاء لإعادة قراءة فانون، ليس فقط كرمز نضالي، بل كنصّ مفتوح على الأسئلة الكبرى للعالم المعاصر: الإنسان، الحرية، والعنف بوصفه لغة مضادة للهيمنة. فانون في السينما ليس مجرد صورة… إنه محرك للأسئلة، ومرآة لتاريخ لم يُكتب بعد كاملاً.