الحكمي «عائشة» بيننا !

لم تكن عائشة الحكمي ناقدة وأديبة فحسب، بل كانت ذاكرتي التي كبرتُ بها! منذ بداياتي نشأتُ على صوتها في نادي أدبي تبوك. كنت صغيرا عندما دخلت إلى هناك لأول مرّة، للتو بدأت عملي صحفيا في جريدة الوطن السعودية. لم أكتب الرواية بعد، وفي كل أمسية من أمسيات النادي كنت انتظر صوتها وهو يأتي من القاعة النسائية بفارغ الصبر؛ لأنه يشبه صوت الأمهات. كبرت تجربتي وكبر حبي لها، هي التي لطالما آمنت بي، وبما أكتبه، رغم أنني كنت أتعثّر في بداياتي، وأنا محمّل بقناعات الشاب الذي كان يرى بأنه على صواب دائما. في السنوات الأخيرة كنت أراها أمّا لنا جميعا، بحضورها اللطيف، ومداخلاتها التي تصنع جوّا لا يمكن أنه يصنعه غيرها، بنقاشاتها التي لا تتردد فيها أن تقول كل ما تؤمن به، بتلك البساطة التي تحمل عمقا ورؤية. كنتُ أحب وجودها، لأنّها كانت تقرّبنا من بعضنا البعض، وتعرّفنا على بعضنا البعض أيضا، كانت تأخذ بيد كل جديد منّا، ليشعر بأنه بين أهله، فحتى وإن أصابنا الغرور أحيانا كانت تذكّرنا بلطفها وبساطتها بأن ما يبقى هو الأثر الطيب دائما، ولا شيء غير ذلك. كانت قادرة على صنع ابتسامة على وجهي حتى في أسوأ أحوالي، وفي أكثر مواقفي توتّرا، لأنها حينما تحضر تأتي ومعها مسحة من اللطف والكرم والحب، فتشعرنا بأننا في بيوتنا أكثر من أننا في أمسية أو محفل. كانت متفانية جدا تجاه الثقافة والأدب، كريمة بوقتها ومعرفتها مثل كل الصالحين، مبادِرة، تعمل دون أن تنتظر شيئا مثل كل الأمهات، أفنت حياتها في بذل كل ما تملكه من معرفة وحب. عملتُ معها في جمعية الأدب المهنيّة، فكانت أكثرنا نشاطا، رغما أنها أكبرنا سنّا، لأتيقن بعد ذلك بأن التفاني لا يعترف بالعمر أبدا. لطالما كانت تدفعني للعمل في الفعل الثقافي، أنا الذي لم أعتد على ذلك. كنت مؤمنا بأن وظيفتي في هذا العالم أن أكتب، وبأن هذه المَلَكة لن تخذلني يوما، لكنني اكتشفت بأنني غير قادر على الكتابة عنها كما ينبغي، فإذا لم تخلق الكتابة لمثل هذه المواقف، فلماذا خلقت إذن؟ لقد خسرتها على المستوى الشخصي مثلما خسرها الجميع، هي التي بالتأكيد تملك مع كل منّا ذاكرة خاصة، فقد راسلتني قبل أن تغادر بأقل من يوم، وسألتني عن موعد مناقشتي لدرجة الماجستير، وتمنّت لي كل التوفيق، فأي فرحة يمكن أن أحظى بها، وأنا أخسر جزء من ذاكرتي، وأكسب شهادة عمليّة! فكيف يمكن أن أستوعب بأن كل هذا اللطف والكرم غادر فجأة؟ لا يمكن أن أنسى سيدة استطاعت أن تبقى في ذاكرتي لأكثر من عشرين عاما بنبلها، ولطفها، وكرمها، وعطائها. إنها ليست أمّا للجميع، إنها أم لكل الفضائل، ففي حضورها لم أكن أتورّع أن أكون ذلك الشاب الصغير، حتى لو ألبستنا الثقافة والكتابة لبوس الكبار. أنا حزين لأن ذاكرتي ممتلئة بها، فقد استطاعت طوال عشرين عاما أن تبنيها موقفا موقفا. يا للخسارة الكبيرة، يا للفقد الموجع، لكننا لا يمكن أن ننساها، لأنها وشمت حضورها في نفوسنا، وفيما نكتبه ونناقشه، لأن امرأة مثلها لا تموت، فحتى لو غادرتنا بجسدها ستبقى في متربعة في الذاكرة! لم احتمل مشهد دفنها، فخاتلتني دمعة، كانت أقوى من أن تبقى في محجرها. أبكل هذه البساطة يمكن أن يغادر الصالحون؟ وعندما يغادر إنسان صالح، فنحن نبدأ في تذكّر كل المواقف التي مرّت علينا بحضوره. لقد داهمتني كل الذكريات دفعة واحدة، لأدرك في لحظة ما، حتى وهي ليست موجودة الآن، بأنني ممتلئ بذكرياتها ولطفها ونبلها، فأوقن بأنها لم تمت فعلا، فالحكمي “عائشة” بيننا مهما يكن!