احتضنت مكتبة الإسكندرية، يومي الاثنين والثلاثاء 15 و16 يونيو 2026، فعاليات ملتقى الأدب المصري السعودي الأول، الذي عُقد بمركز المؤتمرات في قاعة الوفود، بمشاركة نخبة من الأدباء والنقاد والباحثين من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، في إطار ثقافي يسعى إلى مدّ جسور الحوار بين التجربتين الأدبيتين السعودية والمصرية، وفتح آفاق جديدة للتبادل المعرفي والنقدي بين المبدعين والمؤسسات الثقافية في البلدين. وجاء الملتقى بتنظيم مشترك بين مكتبة الإسكندرية وجمعية الأدب والأدباء السعودية، في خطوة تؤكد عمق العلاقات الثقافية بين المملكة ومصر، وتبرز أهمية اللقاءات الأدبية بوصفها منصات للحوار، وتبادل الخبرات، واستكشاف التحولات التي يشهدها الأدب العربي في مجالات السرد والشعر والنقد والتلقي. وافتُتحت أعمال اليوم الأول بكلمات ترحيبية شارك فيها الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور خالد الحربي ممثلًا لجمعية الأدب والأدباء، حيث أكدت الكلمات الافتتاحية أهمية هذا الملتقى في تعزيز التعاون الثقافي، وتحويل المشترك العربي بين البلدين إلى برامج علمية وأدبية قابلة للاستمرار والتطوير. وانطلقت الجلسات العلمية بجلسة حملت عنوان (الأدب العربي بين المحلية والعالمية: إشكاليات التلقي والتأويل)، ترأستها الأستاذة الدكتورة مها العطوي من المملكة العربية السعودية، وتحدث فيها الأستاذ الدكتور سعد البازعي، والدكتور محمد عبد الله الخولي، حيث ناقشت الجلسة إشكالات حضور الأدب العربي في فضاءات القراءة العالمية، وما يرافق ذلك من أسئلة التأويل واختلاف أفق التلقي بين السياقات الثقافية المتعددة. وفي الجلسة الثانية من اليوم الأول، التي جاءت بعنوان (قراءات في الإبداع السردي السعودي)، وترأستها الدكتورة ندى يسري من جامعة الإسكندرية، قُدمت قراءات نقدية في عدد من الأعمال السردية السعودية، بمشاركة الكاتبة الدكتورة زينب الخضيري، والكاتب الأستاذ فهد التميمي، إلى جانب نقاد مصريين تناولوا نماذج روائية سعودية، من بينها رواية (أوراق هجر)، ورواية (دمعة غرناطة)، ورواية (على كف رتويت)، ورواية (هيّا). وقد أبرزت هذه الجلسة تنوع التجربة السردية السعودية، وانفتاحها على قضايا التاريخ والذات والمكان والتحولات الاجتماعية. وشهدت الجلسة الثالثة، التي ترأسها وشارك بها الأستاذ الدكتور محمد بن راضي الشريف، حضورًا نقديًا لافتًا تحت عنوان (قراءات في الإبداع السردي المصري)، حيث شارك فيها الكاتب منير عتيبة، والكاتب أحمد الملواني، والكاتب إيهاب بديوي، والكاتب محمد سرور. وقد ناقشت الجلسة نماذج من الرواية والقصة المصرية، ممثلة في رواية (نساء المحمودية)، ورواية (أحلام سعيدة)، ورواية (واحة الخاوي)، ومجموعة (سيرة الدبور)، في قراءات كشفت عن تنوع التجربة السردية المصرية وثراء عوالمها الجمالية والتاريخية والاجتماعية. وقد مثّلت هذه الجلسة مساحة ثرية للحوار النقدي حول السرد المصري المعاصر، وما يطرحه من أسئلة تتصل بالذاكرة، والتاريخ، والمدينة، والإنسان، وتحولات الواقع. وفي اليوم الثاني، افتُتحت الجلسات بمحور (أدب السيرة الذاتية)، برئاسة الأستاذ أحمد الطابعجي من المملكة العربية السعودية، وبمشاركة الباحث فهد التميمي، والأستاذ خالد الحربي، والأديب أحمد فضل شبلول. وتناولت الجلسة السيرة الذاتية بوصفها جنسًا أدبيًا يتقاطع فيه الخاص بالعام، وتتداخل فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الثقافية والاجتماعية، بما يجعلها وثيقة إنسانية وأدبية في آن واحد. ثم جاءت جلسة (إبداعات في الشعر الفصيح) برئاسة الأستاذ الدكتور محمود عسران من جامعة دمنهور، وبمشاركة عدد من الشعراء من المملكة ومصر، من بينهم الشاعر حسن الزهراني، والشاعرة تهاني الصبيح، والشاعرة هاجر عمر، والشاعر محمود جمعة. وقد عكست هذه الجلسة استمرار حضور الشعر الفصيح في الوجدان العربي، وقدرته على تجديد أدواته مع المحافظة على طاقته الجمالية والإيقاعية والوجدانية. واختُتم البرنامج بجلسة حملت عنوان (قراءة في المكونات الثقافية والروافد الشعرية: بدر بن عبد المحسن أنموذجًا)، أدارها الدكتور محمد مخيمر، وتحدثت فيها الدكتورة رانية العرضاوي من المملكة العربية السعودية. وقد سلطت الجلسة الضوء على تجربة الشاعر الراحل الأمير بدر بن عبد المحسن، بوصفها تجربة شعرية وثقافية ذات أثر واسع في الوجدان السعودي والعربي، لما اتسمت به من عمق وجداني ورهافة تصويرية وقدرة على تحويل الشعر إلى ذاكرة جمالية مشتركة. واختُتم الملتقى بجلسة ختامية خُصصت للتوصيات، حيث أكد المشاركون أهمية استمرار هذا اللقاء الثقافي، وتحويله إلى منصة دورية للحوار بين الأدباء والنقاد في المملكة ومصر، مع العناية بتوثيق أعماله، ونشر بحوثه وقراءاته، وتوسيع مجالات المشاركة في دوراته المقبلة لتشمل مزيدًا من الأجناس الأدبية والقضايا النقدية المعاصرة. وقد كشف ملتقى الأدب المصري السعودي الأول عن حيوية المشهد الأدبي في البلدين، وعن الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي لا تكتفي بالاحتفاء الرمزي بالعلاقات الثقافية، بل تعمل على بناء حوار معرفي فعّال بين النصوص والتجارب والقراءات. كما أكد أن الأدب، بما يحمله من ذاكرة وجمال وأسئلة، يظل واحدًا من أعمق المسارات القادرة على تعزيز التواصل العربي، وترسيخ الحضور الثقافي المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. وبهذا المعنى، لم يكن الملتقى مجرد فعالية عابرة في روزنامة ثقافية، بل كان إعلانًا عن أفق جديد للتعاون الأدبي، وعن رغبة صادقة في أن تتحول اللقاءات الثقافية إلى مشاريع معرفية ممتدة، تحفظ للأدب العربي مكانته، وتمنحه قدرة أكبر على الحضور والتأثير في عالم سريع التحول.