قدمتها عائشة العويس ..
مركز الملك فيصل ينظم ندوة افتراضية عن الوساطة العلمية بين الحضارة الإسلامية وأوروبا اللاتينية .
ضمن برنامج الفيصل الثقافي، نظم مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، يوم الأربعاء 2 من المُحرَّم 1448هـ (17 يونيو 2026م)، ندوة افتراضية بعنوان: «الوساطة العلمية بين الحضارة الإسلامية وأوروبا اللاتينية: أديلارد الباثي نموذجًا»، قدمتها الأستاذة عائشة عبدالله العويس، طالبة دكتوراه بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة. واستعرضت الندوة دور أديلارد الباثي بوصفه أحد أبرز الوسطاء المعرفيين الذين أسهموا في نقل العلوم العربية إلى أوروبا اللاتينية خلال القرن الثاني عشر الميلادي، متتبعةً أثر حركة الترجمة في انتقال المعارف العلمية والفلسفية بين الحضارات، وما أحدثته من تحولات في الفكر الأورُبي خلال تلك المرحلة. وفي مستهل المحاضرة، تناولت العويس طبيعة المعارف السائدة في أوروبا اللاتينية قبل القرن الثاني عشر، موضحةً أن الاهتمام آنذاك انصب على تفسير الظواهر الطبيعية والكونية في إطار وصفي يغلب عليه الطابع الديني والأخلاقي، مع محدودية الإسهام في تطوير النماذج العلمية أو المناهج الرياضية والتجريبية، مستعرضةً نماذج من أعمال ماكروبيوس وإيزيدور الإشبيلي. كما سلطت الضوء على سيرة أديلارد الباثي، الذي وُلد في مدينة باث الإنجليزية عام 1080م، وتلقى تعليمه في المدارس الكنسية، قبل أن ينتقل إلى مدينة لان الفرنسية، إحدى أبرز مراكز التعليم في عصره. وأوضحت أن رحلاته إلى الشرق، التي شملت جنوب إيطاليا وبلاد الشام، وربما الأندلس، أسهمت في توسيع آفاقه العلمية وتعميق صلته بالمعارف العربية، وهو ما انعكس لاحقًا على مؤلفاته وترجماته. وأوضحت أن أهمية أديلارد لا تكمن في ترجماته فحسب، بل في تبنيه منهجًا معرفيًا جديدًا بالنسبة إلى البيئة اللاتينية في عصره، قائمًا على إعمال العقل والبحث عن العلل والأسباب، وهو ما ظهر بوضوح في كتابه «الأسئلة الطبيعية»، الذي ناقش فيه موضوعات تتصل بالنبات والحيوان والإنسان والظواهر الجوية والفلكية من خلال حوار فلسفي يسعى إلى تفسير الظواهر الطبيعية والبحث في أسبابها. كما تناولت أبرز الترجمات التي أنجزها أديلارد، ومن أهمها ترجمة الزيج الفلكي للخوارزمي، وترجمة كتاب «الأصول» لإقليدس إلى اللغة اللاتينية، وهي الأعمال التي أسهمت في تعريف أوروبا اللاتينية بمفاهيم رياضية وفلكية جديدة، وكان لها أثر بارز في تطور الدراسات العلمية اللاحقة. وأشارت العويس إلى أن تأثير العلوم العربية ظهر كذلك في كتاب أديلارد عن الأسطرلاب؛ إذ استفاد من المعارف الفلكية العربية، وشرح استخدامات هذه الآلة العلمية في الرصد والحسابات الفلكية والجغرافية، مستعرضًا عددًا من المفاهيم والتطبيقات التي انتقلت إلى أوروبا عبر التراث العلمي العربي، ولا سيما ما ارتبط بأعمال الخوارزمي والمجريطي وابن الصفار. وفي حديثها عن أثر أديلارد في الفكر الأوروبي، أوضحت المتحدثة أن إسهامه تجاوز حدود الترجمة إلى الإسهام في ترسيخ منهج عقلي جديد قائم على التساؤل والبرهان، وهو الأمر الذي انعكس على تطور الفكر العلمي الأورُبي في القرون اللاحقة. كما تناولت الصلة بين أعماله وبعض الاتجاهات العلمية التي ظهرت لدى مفكرين وعلماء أورُبيين لاحقين، وأسهمت في ترسيخ أهمية الرياضيات والهندسة والتجربة في دراسة الطبيعة. وأكدت المحاضرة أن أديلارد الباثي مثّل نقطة التقاء بين التراث اللاتيني والعلوم العربية والمعارف الموروثة عن العالم القديم، وأن أعماله شكلت مرحلة مبكرة في إعادة تشكيل الفكر العلمي الأوروبي. واختتمت العويس بتأكيد أن أهمية أديلارد لا تقتصر على ما ترجمه من مؤلفات، بل تمتد إلى الدور الذي أداه في ترسيخ ثقافة التساؤل والبحث عن الأسباب، بما جعل منه نموذجًا بارزًا للوساطة العلمية بين الحضارة الإسلامية وأورُبا اللاتينية. وشهدت الندوة عددًا من المداخلات والأسئلة التي تناولت مدى أمانة ترجمات أديلارد الباثي للنصوص العربية، وطبيعة البيئة العلمية التي تلقى فيها معارفه خلال رحلاته إلى المشرق، إضافة إلى أثر العلوم العربية في تشكيل الفكر الأوروبي في القرون اللاحقة، وما أثارته المحاضرة من نقاشات حول تطور المناهج العلمية وطرائق فهم الكون والطبيعة.