في مجموعة صباح حمزة فارسي القصصية حبال الليف..
تنوّعٌ في الرؤى وتعدّدٌ في الأصوات وتمثّلٌ للواقع وتسليطٌ للضوء وتركيزٌ وتكثيفٌ في اللغة.
تُمثل المجموعة القصصية “حبال الليف” للكاتبة السعودية صباح فارسي (الصادرة في مايو 2025 عن دار تأثير)، جملة من النصوص السردية التي تنتمي إلى فن القصة القصيرة و القصيرة جداً وتضم ستةً وأربعين نصّاً ، وتتميّز بطابع رؤيوي فلسفي إنساني يقارب إشكاليات الوجود البشري في عالمنا المعاصر بما ينطوي عليه من تعقيدات وتحوّلات متسارعة الإيقاع،متمايزة الأشكال. وعنوان المجموعة يحمل دلالة رمزية ثريّة مستقاة من القصة الرئيسية فيها التي تصوّرمعاناة امرأة مطلقة تعرضت لأشكال من الغواية ،و رُميت في صميم شرفها من قبل إحدى جاراتها التي تعكس إحدى الظواهر الشريرة ، مما حدا بها أن تطلق عليها صفة (الحرباء) حيث تناهى الأمر إلى أبيها الذي أراد أن يتخلّص ممّا قد يلحقه من عار من جرّاء تلك الإشاعات التي رُوّجت حول ابنته فجاء على لسانها وهي الساردة : “ امتدت يد والدي لجديلة شعري ، سحبني من ضفيرتي ، ربط في جيدي حبلاً من الليف الخشن أحكم وثاقه ، أمسك بطرفه الآخر وجرّني أسفل السلالم ، وحبل مشنقتي في يديه ، وهو يصيح بي أشنقك بحبلي قبل ان تشنقيني بدخولك في حبائل الشيطان “ ثمّة طاقة دلاليّة ورمزيّة عالية؛ فـ “الليف” (المأخوذ من النخيل) بإيقاعه الصوتي حيث تشديد اللام والإطالة والتوتّر والإمساك و الإطلاق والثقل و الغلظة و التكرار و الكثرة التي جعلت هذه المفردة أشبه بالضربات القوية في الموسيقى ، والكلمة تتّسم بالخشونة والمتانة في آنٍ واحد ، وقد استخدمت الكاتبة هذا الرمزلتعبّر عن شِدّةٍ في العقاب و قيد في الحركة و مبالغة في الغضب وقسوة بلا رحمة . وقد كان للتعبير المجازي المكثّف - الذي تكرّر فيه ذكر الموت في مراحل ثلاث من الشعور بالظلم في مفارقة مزدوجة مع الاعتراف الضمني – أثر في اختراق البنية النفسية بعمق و واقعية ، وإشارات خفيّة لما ينال المرأة إثر الطلاق سلوكاً ومظلمة من أذىً نفسيٍّ و أخلاقيٍّ؛ وقد حقّقت الكاتبة بذلك إنجازاً جماليّاً جمع بين مفارقات مزدوَجة تضرب في أغوار الأنثى المضهدة تخصيصاً و تعميماً ونقداً لسلوك اجتماعيٍّ آثم ، اشترك فيه الجنسان الرجل و المرأة : الجارة الحرباء و الأب القاسي وظلم مزدوج للأم المطلقة و الوليدة البريئة . وفي الاتجاه ذاته - حيث تتجه البوصلة النقدية إلى جانب آخر من جوانب الحياة الاجتماعية و روتينها القاتل - حيث الانضباط القسري والاستسلام للتقاليد الموروثة و التعليمات القاهرة ؛ و لكن برمزيّة معاندة للانكشاف المباشر و العُري الواضح تستلهم الكاتبة الحلم في معادلة رمزيّة بالغة الدلالة ؛ فتختار الرقم المغلق الدال على الاكتمال المصمت في ازدواجيّة دلاليّة إيحائية رمزيّة و واقعيّة تقريريّة و استكشاف رؤيَوِي ، حيث الحلم المُتكرر الذي يشذّ فيه واحد من الخراف الثلاثين التي تراها فيما يرى النائم وهي تلتزم بروتين الحركة المفروضة عليها متمرّداً على ذلك الروتين و مخالفته للاتجاه المقرر في إسقاطٍ بيّنٍ على نمط الحياة الشخصية الساردة في قصة (الخروف الثلاثون) الذي تصفه بقولها في مستقل السرد : “ يسير كل شيء في حياتي بالورقة و المسطرة لامجال للأخطاء : أصحو في السادسة ، أنام بمجرد أن تشير الساعة للعاشرة... روتين أرهق زوجتي الراحلة ...إلخ” فقد وظّفت الكاتبة الحلم ليغوص بعيداً في أغوارها النفسية في تفسير ضمنيٍّ للواقع الذي تعيشه ، بين روتينٍ مُرهِق وتمرُّدٍ مبدع ، جاء من أدنى المخلوقات قدرة على التفكير ليحفّز كوامن النفس البشريّة في دلالة قاسية على محاربة الاستسلام والتمرّد على الواقع تمثّل في رفض الخروف للإملاءات الجبريّة فخالف روتين الجماعة التي أجبرت على القفز يميناً بينما أصرّ على القفز يساراً ،و ربما اعترض معترض على هندسة الحدث ليفضي مباشرة بالدلالة ، وربما نلتمس له العذر ؛ ولكننا نظنُّ أنها رؤية مدروسة بمنطق الفن الذي يوازن بين منطق التصميم و موهبة الفن ؛ فالكاتبة أبدعت الحلم كما صوّرت الواقع ، ومكمن الإبداع يتمثّل في جمالية التكامل وتراسل الدلالة بين الحلم و الواقع. وبين التعبير الذي يتشكّل عبر مسار القصة ببطءٍ و أناةٍ في القصة القصيرة وتلك الومضة الخاطفة في القصيرة جداً تتجلّى الدلالة حادّةً وخاطفةً وخارقةً للوعي وحارقة للمسافة بين الدال و المدلول ، البون النفسي الدلالي الواسع بين جماعيّة الرؤية و واجبات الدفاع عن الهوية الوطنيّة وخصوصيّة الألم وعمق الجرح على المسنوى الفردي الإنساني ؛ كما في النص المعنون (حرقة) الذي لا يتجاوز السطور الثلاثة ، وكذلك في النص (حنجرة) الذي انطوى على احتجاجٍ مكتوم على نهج في التعليم الذي ينهض على التلقين وقمع السؤال ، و ما يفضي إليه من ضياع الشخصية و تيه المصير : كثافة وترميز و تصوير و تمثيل ومفارقة . ومن الواضح أن الحس الانتقادي واضح في نهجها الرؤي عبر الثيمات المختارة ، وهذا التراتب النظيم بين لونين من ألوان السرد ،إذ تتجاوز الدلالات الضمنية السطح و وقائعه وتفاصيله إلى أبعاد عميقة ؛ فالشق في الجدار الذي لم يصلحه الجد في القصة القصيرة جداً المعنونة ب(خرير) توميء إلى دائرة دلاليّة واسعة تتمثل في ما يمكن معها استحضار التوقيعة الشهيرة (داوِ جرحك لا يتّسع) عبر كثافةٍ حَدَثيّة دالّة ومقدّمات واقعيّة ملموسة تفضي إلى نتائج بعيدة الأثر ، حيث جمعت بين خصائص هذا الفن من حيث الكثافة و التركيز والترميز والتوصيف والإيجاز الوامض واللمحة الخاطفة . وأما قصة (جلود) فالهندسة الرمزية فيها واضحة من خلال الألوان و التجريد المطلق الدلالة فالسواد والحمرة و البياض رموز مطلقة الدلالة ، مجردة المعنى ، و مع هذا ثمّة قدرة و اضحة على الترميز ؛ وإن بدا أن ثمة حاجة إلى الإجهاد الفكري في فهم الرموز والمعادل الدلالي لها ، وكذلك فيما يتعلق بما هو أعمق من النقد المتعلّق بالظواهر اليومية إلى المسائل الكبرى التي تتّصل بالظواهر المِفصلية فكريّاً و ثقافيّاً كما في قصة (أجراس الظلام) التي تخترق حجب التاريخ و تمزّق شرنقة التضليل الفكري عبر فانتازيا ممتزجة بتفاصيل حسّية واقعيّة فكشط السطح يسلم إلى دهليز التاريخ والعبث بالحقائق و تزييف الفكر و تضليل العقل؛ فكم هي دالة عبارة الختام “ ليت لنا جيش من التتار “ وتلمس الكاتبة ظاهرة حضاريّة ثقافيّة بالغة الخطورة عبر ما يعرف ب(الاغتراب الرقمي) والتشتت الأسري و الاجتماعي عبر الانشغالات الهامشية بتفاصيل اغترابية كشفت عن حقائق غائبة مسكوت عنها شدّت الاهتمام وأدّت إلى اغتراب الذوات عن محيطها الحيوي، و أدت إلى استفحال التمزق والاغتراب الذاتي والأسري و الاجتماعي وخلقت هالة من العزلة و المحيط الافتراضي الذي أدى إلى لون من ألوان الانفصام الوجداني والاغتراب الوجودي؛ إذ ترصد نصوص بعينها بدقةٍ وشفافية كيف عبثت التقنيات الحديثة بنظام العائلة وقيمها ووحدتها تنتقد الكاتبة ضياع “الحس الإنساني” وسط عوالم تدار بأزرار صماء وتغريدات مزاجية تشكّل عالماً افتراضيّاً جذًاباً يسرق مساحة واسعة من الوقت و الوعي ، وكيف أدى ذلك إلى إضعاف العلاقات الحميميّة و التواصل ودفء المشاعر بين أفراد الأسرة ؛ مما قاد إلى التشتّت و التشقّق في جدران الأسرة النفسية و الاجتماعية ، وإسقاط سلوكيّات غريبة على أنماط الحياة العائلية ؛ مما أضعف سلطان القيم العقدية والأخلاقيّة ، كما أن الكاتبة تعالج شرخاً في بنيان المجتمع تتسرّب منه أخلاقيات موروثة عبر منافذ اللهو غير البريء وفضاءات التيه في المناسبات و الأعياد . أما - فيما يتعلق بتقنيات السرد- فإن الكاتبة لم تضحِّ بتقاليد البنية السردية التي ينهض عليها فن القصة القصيرة من حيث البنية الثلاثية الأرسطية المعروفة : البداية و الذروة و النهاية ؛ ولكنها شحنتها بثراء رمزيٍّ خصب يمتلك طاقة تأويليّة موجّهة بعناية وإسقاطاتٍ مبهرة فيما يتعلق بهذا الفن ؛ أما القصة القصيرة جداً فهي تتمثّل في ماهو من صميم بنيتها التكوينيّة من حيث قِصر الشريط اللغوي والكثافة الدلاليّة و البعد الرمزي و الاحتمالات التأويليّة والتركيز التشكيلي ، والعلاقة بين هذين الفنّين في هذه المجموعة لاتخطئها بصيرة القارئ فنّيّاً ورؤيويّاً. إذ ترتبط بعلاقة تكامليّة وعضويّة تخدم الرؤية الكلية للكاتبة ؛إذ تشترك القصة القصيرة والقصيرة جداً في “حبال الليف” في معالجة الظواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة والنفسيّة؛ فالقصة القصيرة تتناول القضايا الاجتماعية بشيء من التفصيل المألوف في الحياة اليوميّة من حيث المعاناة الإنسانية الناجمة عن الموروث من التقاليد في ارتباطاته بالبعد النفسي و الاجتماعي ؛ أما القصة القصيرة جداً فتسلّط الضوء على القضايا ذاتها ولكن في ومضات إلماحية ذكيّة ؛ فالقصة القصيرة جداً في المجموعة فالتركيز فيها على الزوايا الخفية العميقة التي قد تمرُّ في القصة القصيرة بوصفها تفصيلاتٍ عادية غير لافتة ، وفي القصة القصيرة جداً استثمار لتقنية مركزيّة في هذا الفن ، قُوامها المفارقة الصادمة والقفلة المضيئة في تنويرٍ موجّه وضوْء ساطع . ثمة ملمح بيئي يكشف عن خصوصية الفضاء المكاني و الاجتماعي يتمثّل في عنوان المجموعة “حبال الليف” وهو ما سبقت الإشارة إليه عبر ملامح الليف لغويا وإيقاعياً ودلالياً ، وثمة ما يمكن وصفه بالتوازن الجمالي والدلالي بين الفنّين السرديين في هذه المجموعة ؛ فالقصص القصيرة تمتلك مساحة واسعة للتأمل، والقصص القصيرة جداً تأتي بوصفها تسليطاً للضوء على بعض الجوانب التفصيليّة التي تندرج في إطار السرد المعتاد على نحو يلفت ذهن القارئ بسلسلة من العلامات المتلاحقة ذات الدلالات العميقة اللافتة ؛ وإذا كان من المعتاد أن نلحظ الفرق بين المونولوجيّة و الدرامية ، وتعدّد الأصوات في الرواية ؛ فإن ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة تعدد الأصوات (البوليفونية) فثمة أصوات سرديّة متعدّدة في هذه المجموعة تنبئ عن تشكيلةٍ متنوِّعة من الشخصيات في بنيتها النفسية وتراتبها الاجتماعي . ثمّة الكثير مما يمكن أن يقال في هذه المجموعة من حيث اللغة والرؤية الاجتماعية و النفسية مما تضيق عنه هذه المساحة المتاحة