عبدالمحسن بن فراج القحطاني..

سيرة التحّول من الخيمة إلى القصر.

تعود علاقتي به إلى ما قبل نحو خمسة عقود، إذ كلفت بإدارة مهرجان شباب مجلس التعاون الخليجي (للشعر والقصة والمقال) في مدينة أبها عام 1409هـ، وطلبنا من بعض الجامعات السعودية ترشيح عدد من أساتذتها لإدارة وتحكيم اللقاءات الشبابية، وكان من بين من رشحته جامعة الملك عبدالعزيز بجدة الدكتور القحطاني إلى جانب أساتذة من جامعات أخرى أذكر منهم: مرزوق بن تنباك وعبدالله المعطاني وسعد الناجم وغيرهم. قابلته مرة أخرى بالنادي الأدبي بجدة وهو عضو بمجلس إدارته عام 1416هـ، وتكرر اللقاء بداية عام 1421هـ باثنينية عبدالمقصود خوجة بجدة عند تكريمه للرائد عبدالكريم الجهيمان، وتعددت بعد ذلك اللقاءات في المناسبات الثقافية بالرياض وجدة، وتعمقت علاقتي به، إذ وجدته مرحباً ومبتسماً ومرحاً ومتواضعاً ومبادراً لأي عمل اجتماعي يشارك به خصوصاً المشاركة الثقافية محاضراً أو عضواً في ندوة، وكان لا يتردد في تبني العمل الذي يعود بالفائدة للمجتمع. دعاني للمشاركة في (ملتقى قراءة النص الثامن عن السيرة الذاتية في الأدب السعودي) عندما كان رئيساً للنادي الأدبي بجدة في الفترة من 25-27/3/2008م، وكانت مشاركتي بورقة (الذاتي والموضوعي في السيرة الذاتية لدى عبدالرحمن منيف). كما دعاني لحضور المؤتمر الدولي الخامس عشر لجمعية لسان العرب بالقاهرة في 8 نوفمبر 2008م، بعنوان (محنة اللغة العربية وعلاقتها بتقليد المغلوب للغالب)، وقد كان القحطاني رئيساً لهذا المؤتمر، وسعدت بصحبة الدكتور مرزوق بن تنباك وعوض القوزي – رحمه الله - . قابلته بمعرض القاهرة الدولي للكتاب مرات عديدة، وحضرت له مشاركاته في النشاط الثقافي بالجناح السعودي وغيره، وعرفت شيئاً من علاقاته الواسعة بالمثقفين وأساتذة الجامعات المصرية المختلفة من جامعة القاهرة إلى جامعتي المنيا والمنصورة وغيرهما، ولما يتمتع به من أخلاق فاضلة واحترام للجميع فهو مكان تقدير واحترام، وعرفت أنه خصص جوائز تشجيعية لمدرسي وطلاب أقسام اللغة العربية بكلية دار العلوم باسم (جوائز عبدالمحسن القحطاني لدعم البحث العلمي). استضفته وسجلت معه في مكتبة الملك فهد الوطنية ضمن برنامج (التاريخ الشفهي للمملكة) عام 2011م، وعلى مدى ساعتين من صباح يوم الأربعاء 4/4/1432هـ استعرض بإيجاز سيرته ضمن برنامج التاريخ الشفهي لمكتبة الملك فهد الوطنية قائلاً: الولادة بجوار رويضة العرض (لجعة) عام 1366هـ من قرى القويعية. انتقاله طفلاً مع والده وإخوته بعد وفاة والدته إلى الرياض عام 1368هـ. درس في المعهد العلمي بالرياض وتخرج منه عام 1387هـ التحاقه بكلية اللغة العربية وزواجه. تخرج من الكلية عام 1391هـ. انتقاله إلى جدة للتدريس في مدارسها. مشاركته مع أشقائه في المقاولات. سفره للقاهرة للدراسات العليا الماجستير والدكتوراه في الأزهر عام 1392هـ. حصل على الماجستير عام 1394هـ. والدكتوراه عام 1399هـ. وفاؤه لأستاذه حسن جاد وإهداؤه مكتبته الخاصة. انتقاله إلى جامعة الملك عبدالعزيز يوم 10/6/1399هـ. التحاقه بدورة اللغة الإنجليزية بلندن. عمل عميداً لكلية الآداب. عين عميداً لشؤون الطلاب. كما عمل عميداً للقبول والتسجيل عام 1411هـ. حصوله على الأستاذية (البروفيسور) عام 1415هـ. عضويته ثم رئاسته للنادي الأدبي بجدة. وعضويته لجمعية لسان العرب بالقاهرة...إلخ. وقال إنه بصدد كتابة سيرته الذاتية، وفعلاً صدر الجزء الأول منها بعد سنوات قليلة باسم (بين منزلتين.. سيرة ذاتية)، أتبعها بالجزء الثاني بعد أربع سنوات. قال في إهدائه لي في الجزء الأول (... هذه سيرة تقاطعت أو تشابهت مع سيرتك.. لك ودي). والتي وجدت بها معاناة جيل بكامله، بعد وصوله – مع والده وأخويه اللذين يكبرانه – للرياض وهو طفل صغير، وليس لدى والده ما يقتات منه وأطفاله. إلا أن يذهب للشيخ ليعينه مؤذناً في مسجد بأحد أطراف الرياض، وهو أحد الأحياء الشعبية العشوائية. وقد استرسل كثيراً في وصف الحياة الاجتماعية لهذه الأحياء. فإذا كنت في (بدايات) أصف وسط الرياض الحي الرئيسي (دخنة) وما جاورها، فهو ينقل لنا صور وأحوال القادمين من البادية أو المدن والقرى الواقعة جنوب الرياض، والذين يبنون مساكن شعبية تقيهم البرد والحر، ويصف لنا مشاهد ومواقف مضى عليها أكثر من ستين سنة، تستحق أن تروى لولا ضيق المساحة، ولعلها دعوة وتشجيع لمن لم يقرأ هذه السيرة أن يبادر، ففيها من المعلومات ما يستحق. قال إن الجزء الأول من سيرته أخذ أربعة وعشرين عاماً (1367-1391هـ) من الولادة حتى انتهاء دراسته الجامعية بالرياض وبداية عمله مدرساً بجدة. والجزء الثاني أخذ من عمره اثنتين وعشرين سنة (1392-1415هـ) والتي بدأها بزيارته الأولى للقاهرة، والتي وصفها وصفاً دقيقاً من ركوبه سيارة الأجرة من المطار وحتى الفندق، وعن محاولة السائق إغرائه كشاب بعرض قطعة (حشيش) أخرجها من تحت خاتمه، فقطع عليه الطريق قائلاً: إنه لا يدخن. حصل على الدكتوراه – في الثالثة والثلاثين من عمره – فاختار جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.. وتدرج في عمله أستاذاً في كلية الآداب «.. ولم يكن للطائفية فيها مكان، ولا للعنصرية وجود، ولا للإقليمية متسع من الفكر..» وانتخب الدكتور [عبدالهادي الفضلي] رئيساً لقسم اللغة العربية».. انتخبه زملاؤه رئيساً عليهم، وهو شيعي، بل يعد مرجعاً من مراجعهم، ولم تكن هناك لغة خفية تدار ضده، لأن توحيد هذا الوطن ألغى التمايز». وقد دَرّس – القحطاني – أكثر من منهج دراسي، كالبلاغة، والأسلوب، ونظرية الأدب، ودراسة النص الشعري، كما دَرّس مادة العروض والقافية. وبعد نحو خمسة عشر عاماً أحس بشعوبية قادمة تحاول أن تجتث ما يقابلها.. حتى خرج بعض أعضاء هيئة التدريس يؤصِّل العنصرية، ويجذر الإقليمية، ويفتت هذا التلاحم الجميل.. فأصبحت المناصب بالتعيين، فبرزت التقسيمات بأسوأ ما تكون على السطح الأكاديمي، وتسنم بعضها من لا يستحقونها.. وغاب العرف الأكاديمي، وبرزت قرارات لا تملك اليقين فيما اتجهت إليه، فتخبطت الرؤى وفقاً للأهواء والمصالح.. فأصبح الأكاديمي يبتعد عن الإدارة، أو يبعد عنها لقوته ووضوح رؤيته، وهذه لا تجدي مع مسؤول ضعيف. ونشطت لدى بعضهم في أروقة الجامعة مقولات: العنصرية والشعوبية، والقبلية والقومية وإن كانت على استحياء». في هذه الفترة انشغل – صاحب السيرة – بمناصب إدارية: رئاسة قسم، وكالة كلية، عمادة شؤون الطلاب، عمادة قبول وتسجيل والتي قال عنها: « وهي فترة من حسناتها أنها جعلت الآخرين يتعاملون معه، ويعرفون شيئاً من تعامله، فكانت بوابة لولاها ما أطل بشخصيته على المجتمع..» فقد أصبح يتحسس مواجع صاحب الحاجة، وصدق نيته، وشغف أمله في ساحة عليها أن تسعه ولا تضيق به» وأصبح تعامله مع أهل المنطقة تعاملاً جيداً، وصنع معه علاقات صادقة، مع اختلاف بيئته عنهم، وثقافته أيضاً، فشهدوا له بفكره التطلعي، ونظرته المتوازنة..» ص124. جدد له في العمادة فرفض إلا بعد تدخل وزير التعليم العالي الشيخ حسن آل الشيخ.. وقال بعد انتهاء الفترة الثانية: «.. وهو شعور قل من يعيش فيه ممن يغادر موقع السلطة، لكنه غادره عن اقتدار، ولم يغادره على غرة أو اجترار..». «.. وتبين له أن الثبات في كل الأمور خير من القلق والانفعال، ولذا ظل خمسة وثلاثين عاماً في الجامعة يتعامل مع تركيبتها المختلفة ويصنع قاسماً مشتركاً، استوعب الجميع.. وظل في ذهنه أن حاجات الناس خليقة بأن تُقضى، أو يُقنع أصحابها بصعوبات تنفيذها، أو عدم استحقاقهم لها. كان يؤخذ عليه أنه يتعامل مع المراجعين في كل مكان يقابلونه فيه، وهو خارج من مكتبه، أو ذاهب إلى الصلاة، أو خارج من اجتماع، أو منته من الدوام المتأخر، وذاهب إلى سيارته.. سمع أقوالاً من بعض زملائه أنه قضى على هيبة أستاذ الجامعة، وما عرف هذا البعض أن هيبة الأستاذ في إنجازه وسلوكه وتعامله.. ربح الرهان في بقاء حب الناس له، وتقديره، لأنهم لا يأبهون بالمنظر بقدر ما يقدرون الجوهر..». واستعرض كثيراً من القصص والمشاكل التي تعرض لها بصفته عميداً لشؤون الطلاب وعالجها بكل اقتدار مثل: الطالب الذي انتقل من جامعة الملك سعود لكونه درس وهي أنثى فتحولت إلى ذكر.. والطالبات مجهولات النسب بدار الأيتام وقبولهن ومعالجة تسميتهن وحتى تزويجهن. وتحمل مهاجمة بعض أصحاب المصالح من أعضاء هيئة التدريس لعدم قبول من لا تنطبق عليه شروط القبول من أقاربهم. بدعوى تسجيل أعداد كبيرة مما أدى إلى ازدحام الفصول.. وأن صنيعه يُفقد التعليم عمقه ووهجه. وقال:».. وعلى مؤسسات التعليم أن تستوعب الطلبة جميعاً، بل إنه طالب في إحدى ندوات القبول والتسجيل بأن يكون التعليم الجامعي حقاً لكل مواطن ومواطنة، وعلى الدولة أن تسخِّر الإمكانات لتحقيق هذا الحق، وألا تعوقه بأي معيار يحد منه». وقال:» فقد ولدته أمه في البادية، وانتقل رضيعاً إلى الرياض واستفاد من الإمكانيات التي وضعتها الدولة للتعليم.. وعاش صاحب السيرة في هذه الوحدة، وعاش نحو نصف قرن منها في مدينة جدة الجميلة المخملية، التي حافظت على رائحة المكان بلهجة الإنسان السعودي أينما كان. وقال في الختام متذكراً طفولته البائسة فهو مولود في بيت شعر، إلى ساكن في حجرة واحدة من الطين» فآخر من البلوك، فمن الخرسانة إلى فيلا، فقصر.. كل هذا حدث له في فترة وجيزة. وطلب من القارئ أن يتناول هذه السيرة بعينه وقلبه، لا بعين صاحبها التي ترغب في محاكمتها ومساءلتها. بعد أن تقاعد من العمل بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة – كلية الآداب – وترك رئاسة النادي الأدبي، أنشأ (مجلس القحطاني الثقافي) وهو ملتقى اسبوعي يستضيف فيه الأدباء والمهتمين منذ قرابة عقد ونصف، وينشر ما يلقى به من محاضرات أو ندوات، وقد تكرم ودعاني للمشاركة في هذا الملتقى أكثر من مرة، ولم يتسن لي المشاركة به إلا في عام 2020م على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في منزله العامر بحي الشيخ زايد بالقاهرة وكانت المشاركة عن (النشاطات الثقافية السعودية المبكرة في مصر) وقد فوجئت بالعدد الضخم من الأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية ومن ضيوف المعرض من السعوديين، وعلمت أنه يقيم مثل هذا النشاط عندما يكون في القاهرة. تحية تقدير وإعجاب لأبي خالد ونشاطه المتجدد والمتواصل، وشكراً للدكتور يوسف العارف على دعوته الكريمة للاحتفال بمرور العقد الأول لأسبوعية القحطاني الثقافية مع قبول خالص تحياتي وتقديري. •ترجم له في (موسوعة الشخصيات السعودية) مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، ط2، ج2، ص839. •كما ترجم له محمد بن إبراهيم الدبيسي في (قاموس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية) ط1، ج3، قال عنه:» أستاذ جامعي.. كان له دور ريادي وأكاديمي مؤثر،.. أما مساهمته في المشهد الثقافي فكانت مساهمة مهمة، فقد كان عضواً في نادي جدة الأدبي منذ سنة 1402هـ (1982م)، وفي سنة 1427هـ (2006م) أصبح رئيساً للنادي حتى سنة 1432هـ (2011م) بالإضافة إلى ذلك قدم عدداً من المحاضرات في عدد من الأندية الأدبية، والمنابر الثقافية داخل المملكة وخارجها. أصدر أربعة كتب في نقد الشعر، هي: 1ـ منصور بن إسماعيل الفقيه (ت306هـ) حياته وشعره، مصر 1979م. 2ـ بين معيارية العروض وإيقاعية الشعر، مطبوعات نادي جدة الأدبي 1998م. 3ـ القوافي للإربلي – دراسة وتوثيق، الثقافة. مصر 1985م. شعراء جيل: سرحان – عرب – مدني، مطبوعات نادي جدة الأدبي 1427هـ - 2006م. وله عدد من الأبحاث والدراسات التي تعكس نشاطه البحثي في مجال الدراسات النقدية، ومنها: أراد علي بن عثمان الإربلي في القافية (مجلة جامعة تشرين 1992م). ومرصاد الفلالي وإنجاز النقد المبكر (مجلة جامعة كلية اللغة العربية بالمنصورة 1415هـ 1995، وشعر حسين عرب بين اللغة والإيقاع، بحوث الأدباء السعوديين الثاني 1419هـ (1998م). يصفه حسن جاد بأنه باحث دؤوب في التحقيق، ومولع بإحياء التراث، ويصفه محمد الشنطي بأنه من النقاد الأكاديميين التنويريين». أصدر الدكتور يوسف بن حسن العارف عن ندوته (الأسبوعية في عقدها الأول 1433-1443هـ كتاب تذكاري بمناسبة مرور عشر سنوات على أسبوعية عبدالمحسن القحطاني الثقافية، ط1، 1444هـ 2022م.