في كتاب«إدارة الحج إلى مكة» لمايكل كريستوفر لو..
باحث أمريكي يكتب عن تاريخ الأوبئة في موسم الحج.
كتاب مهم للباحث الأمريكي مايكل كريستوفر حصل به على جائزة ألبرت حوراني للكتاب من جمعية دراسات الشرق الأوسط ، وقد نجح الكتاب في الربط بين معلومات متفرقة عن التحكم في مواسم الحج بين بريطانيا والدولة العثمانية عبر القرن التاسع عشر، وهناك الكثير مما يستحق التقديم مما ورد في الكتاب، ولكن موضوع الكوليرا من أهم ما وضح من خلال الكتاب. بين عامي ١٨٣١م و ١٩١٤ م عاشت كل من الحجاز واسطنبول حالة من الرعب الدائم من الكارثة المستوردة من الهند عن طريق الحج، فقد انتقلت الكوليرا من الهند الى الحجاز في ٤٠ مناسبة على الأقل. بين عامي ١٨٣١ و ١٨٦٠ شهد الحجاز ست موجات من الكوليرا متفاوتة في الشدة. في عام ١٨٦٥ م وصلت موجة شديدة من الكوليرا إلى مكة قٌدر عدد الوفيات بسببها بين خمسة عشر إلى ثلاثين ألفا من الحجاج، وأطلقت العنان لجائحة امتدت على نطاق العالم، فشهد موجات عديدة من الكوليرا. بين أعوام ١٨٨١ و١٨٨٣ م تفشت موجة عاتية من الكوليرا في موسم الحج، ثم وصلت إلى مصر وتسببت في وفاة خمسين ألف شخص، وتوالت هذه الموجات فوصلت اسطنبول، وأدت إلى إعادة تنظيم إمدادات المياه المحلية وبناء نظام صرف صحي جديد في اسطنبول والحجاز وسائر أرجاء السلطنة. شهدت الهند منذ عام ١٨٦٥ وحتى الحرب العالمية الأولى تصاعدا شديدا في معدل الوفيات، كان بين أربعة وخمسة آلاف لكل مائة ألف . تقع المسئولية على حملات الجيش البريطاني وتوسع الرأسمالية والطرق الحديثة في التجارة التي أعيد تنظيمها عن طريق إدخال الوسائل الحديثة للنقل مثل السفن البخارية والسكك الحديدية. ورغم أن كل المؤشرات كانت تدل على أن الهند ضحية للكوليرا والطاعون وأن هذه الأوبئة تتفشى منها إلى العالم إلا أن بريطانيا كانت ترفض الإعتراف بذلك، لما له من تأثير سلبي على اقتصادها المعتمد على استغلال الهند. وقد قُدر أن الكوليرا قد حصدت أرواح خمسة عشر مليون إنسان حتى عام ١٨٦٥م، بعد هذا العام ولأهداف استعمارية بدأت إحصائيات أكثر منهجية للوفيات بالصدور وقدرت هذه الإحصائيات أن هذا الوباء قد حصد أرواح ثلاثة وعشرين مليونا. تشمل هذه الإحصائيات الموتى في كل قارات العالم القديم، فلم ينج أي قطر من تأثيره بل وصل إلى كندا وأمريكا. وقد ركزت بريطانيا على اتهام الحج بتصدير الوباء إلى العالم، رغم أنه لا يمكن أن يفسر وجوده في مناطق يستحيل أن يكون الحج مسؤولا عنها، رغم انعقاد مؤتمرات عالمية لإدارة الأزمة، وإنشاء مجلس صحي في إسطنبول لإدارة الأزمة ومن أعضائه مراقبون من أطباء أوروبيين يميلون إلى موقف الحكومة البريطانية إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى ما ترفضه بريطانيا، ولذا عجز المسؤولون عن الربط بين المواصلات البحرية الهندية إلى الحجاز والكوليرا بالرغم من أن مستنقعات دلتا البنغال أصبحت مشهورة على نطاق واسع بصفتها المصدر المسؤول عن الكوليرا، ورغم ذلك فإن مجلس الصحة العالمي الأول الذي انعقد في باريس لمناقشة تفشى الكوليرا عام ١٨٥١م ، لم يدع إلى إتخاذ أي احتياطات من أجل مراقبة مواصلات الحج. زعمت بريطانيا أن موجة كوليرا قد بدأت من جدة عام ١٨٦٥م ، ثم انتشرت مع الحجاج العائدين إلى بيشاور، وكشمير ومنها انتشرت إلى أفغانستان وأوروبا. قامت الدولة العثمانية إضافة إلى ما اتخذته من إجراءات بتبني إنشاء مجموعة من أماكن الحجر الصحي للقادمين والعائدين من الحج ، وهي وسيلة مهمة للتحكم في انتشار وبائيات الكوليرا والطاعون ، ولكن بريطانيا لم تتعاون لأنها رأت فيها وسيلة للتحكم في التجارة والجمارك، واتهمت الدولة العثمانية بالعمل على تحصيل تكلفة الإصلاحات الصحية من خلال الرسم الذي وضعته على كل حاج لتحصيل نفقات الحجر الصحي رغم أن محصلة هذا الرسم لم تكن تغطي نفقة الحجر الصحي. بدأ إنشاء محطة الحجر الصحى المركزي في جزيرة سعد بجدة عام ١٨٦٦م ، أما مؤتمر الصحة العالمي فقد أوصى بوضع المركز الرئيس للحجر الصحي في جزيرة بريم لأنها تقع عند مدخل البحر الأحمر، وكانت الجزيرة خاضعة للسيطرة البريطانية، لكن بريطانيا رفضت، مما أجبر العثمانيين على اختيار جزيرة كمران التي تبعد ١٦٠ ميلا شمال مضيق باب المندب. عيب هذا الاختيار أنه من الممكن لبعض السفن أن تنزل ركابها في ميناء مخا أو ميناء الحديدة الذين يقعان قبل موقع الجزيرة. تعددت مواقع المحاجر الصحية، في الطور وفي بيروت وغيرها، وهكذا خلت الفترة بين عامي ١٨٦٦ م و ١٨٧٨م من أي انتشار للكوليرا خارج الهند. ورغم ذلك فإن بريطانيا رفضت الالتزام بالمعايير الوقائية الموحدة التي وضعها مؤتمر الصحة العالمي الذي انعقد في فيينا عام ١٨٧٤م. في عام ١٨٨١م أعلنت بريطانيا أن الطبيب ادوارد فرانكلاند قام بتحليل كيميائي لعينات من ماء زمزم، نُشرت نتائج بحثه في مجلة اللانست الطبية العريقة، قالت إن مياه بئر زمزم المقدسة ملوثة بفضلات حيوانات بنسبة ستة أضعاف ما تحتويه مجاري لندن. سبب ذلك صدمة عريضة للسلطات الصحية في الدولة العثمانية، خاصة وأن التقرير انتهى إلى التوصية بإغلاق بئر زمزم، كذلك نشر ممثل هولندا في مجلس اسطنبول الصحي أطروحةً حول الكوليرا تؤيد ما جاء في التقرير البريطاني وثارت ضجة، ولكن أحد أطباء الصحة العثمانية تمكن من إثبات خطأ هذا التقرير، وعندما افتضح الأمر قال القنصل البريطاني إن شخصا محمديا (مسلم) هو من أحضر العينات من زمزم له، وهذا الشخص اسمه يوسف قدسي، وهو مترجم القنصلية البريطانية في جدة ، كان رجلا تحميه القوانين البريطانية، وهو من أصل روسي يهودي مولود في القدس، ادعى أنه أمضى سنوات في الهند والصين، واعتنق الإسلام قبل حضوره إلى جدة عام ١٨٧٠م. في عام ١٨٨٤م اكتشف العالم الألماني روبرت كوخ ميكروب الكوليرا في خزان مياه في كلكتا، وقوبل هذا الكشف بحملة شرسة من الإنكار والمقاومة من قبل السلطات في بريطانيا والهند. ورد المفوض الصحى في حكومة الهند البريطانية بأن تفشى الكوليرا في الهند ناتج عن “العادات القذرة للهنود”. واستمرت السلطات البريطانية في إنكار اكتشافات الدكتور كوخ عقدا آخر من الزمن. بل إن نتائج تحقيق مستقل أجرته السلطات البريطانية أفادت بأن الميكروب الذي تحدث عنه كوخ غير ضار، ولا يمكن أن يكون السبب الوحيد للكوليرا. وعليه فقد قدمت بريطانيا طلبا لمؤتمر الصحة العالمي يدعو إلى تخفيف قيود الحجر الصحي والرسوم المفروضة في السويس على حجاج المحيط الهندي. عبر مسؤولو الصحة العثمانيون عن استيائهم من التضليل الفكري الفاضح الصادر عن البريطانيين، ولذا لم تنته المسألة إلى نتيجة محددة، فلم يكن في إمكان أى تحالف من الدول الأوروبية موازنة العرقلة البريطانية على نحو كامل. انتهت الفترة التى بدت الكوليرا فيها تحت السيطرة عام ١٨٧٨م وضربت رابع جائحة للكوليرا العالم بين عامي ١٨٨١م وعام ١٨٩٥م وعادت المؤتمرات الصحية الدولية إلى الانعقاد. وكان واضحا أن الانضباط الصحي العثماني قد بدأ ينضج ويحدث آثارا إيجابية. وصلت الكوليرا إلى مكة عام ١٨٨١م من خلال تفشيها في عدن، ومن عدن التي تقع خارج الحجر الصحي وصلت إلى مكة، وأعرب المسؤولون العثمانيون عن استيائهم عن سبب سماح المسؤولين البريطانيين بإعطاء تقارير صحية نظيفة عن سفنهم المغادرة من عدن. وصلت نسبة الوفيات بين الحجاج عامذاك إلى ٨٠٠٠ بين كل عشرة آلاف. أدى ذلك إلى إنهيار النظام الصحي الذي طوره العثمانيون في موسم الحج، لدرجة أن المسؤولين عن دفن الموتى بطريقة صحية هربوا لأنهم تبينوا أنهم أكثر الناس عرضة للإصابة، تراكمت الجثث في المقبرة، وتُرك العديد منها دون دفن أو إحصاء ملقاةً على جوانب الطرق وغرقت شوارع المنطقة بالجثث المتحللة. يمكن أن نلاحظ هنا أن الرحالة إلى مكة من الغربيين لم يعيروا أي اهتمام لدور الإنجليز في تصدير الكوليرا ومعظمهم مثل الهولندي سنوك هيرجرونجى وكورتيلمون الفرنسي، ركزوا على مظاهر الفشل الصحي العثماني في إدارة الحج، وربطوا ذلك بالتشكك من جدوى الحجر الصحي. بدأ العمل في محجر جزيرة كمران عام ١٨٨١م، وتمكنت من استيعاب ٣٠ ألف حاج سنويا ، كل ستة آلاف منهم في وقت واحد. وقبل أن تصل السفن إليها اشتكى قباطنة السفن من خطورة الشعاب المرجانية المحيطة بالجزيرة. كما تلقت القنصلية البريطانية سيلان من شكاوى الحجاج، واستجابت السلطات العثمانية بأن وفرت إمدادات تحوي مواد غذائية قادمة من السويس وبور سعيد، وحاولت إصلاح مساكن الحجاج وإمدادات المياه لهم، وهكذا استمرت السلطات البريطانية في إثارة متاعب حقيقية، ولكنها حفزت إلى مزيد من الإصلاحات. اكتُشفت الكوليرا مجددا عام ١٩٨٢ فى عدن قبل أن تعبر إلى الحجاز، واتهمت السلطات العثمانية البريطانيين بإخفاء الحقيقة عن طريق إصدار تقارير صحية مضللة في عدن عن خلو المسافرين من حالات الوباء، في عام ١٨٩٠م تفشت الكوليرا على متن السفينة الهندية ديكان وتوفي ٥٢ هنديا خلال فترة ٧٢ يوما من الحجر الصحي في جزيرة كمران، وانتشر الوباء منهم إلى بعض سكان الجزيرة، وإلى ركاب السفن الأخرى. وتكرر الأمر عام ١٨٩١م حيث تفشت الكوليرا مرة أخرى على متن سفينة بخارية بريطانية قادمة من مومباي، وأسفر موسم الحج هذا عن ٢٩٤٢ ضحية في الحجاز. وتكرر الأمر في العام التالي، ولكن الأمور تغيرت لصالح رأي روبرت كوخ لأن المرض قد وصل إلى روسيا واليمن والعراق والأناضول، وكذلك إلى فرنسا وألمانيا. إثر ذلك عُقدت عدة مؤتمرات توصلت إلى إقرار توصيات بشأن المراقبة الصحية للحجاج الذين يعبرون البحر الأحمر إلى الحجاز، وفرض معايير مراقبة وحجر صحي في الخليج العربي، وأوصت بفرض تدابير صحية في موانئ المغادرة، يعنى فرض إجراءات حجر على سواحل الهند. وأخيرا وافقت بريطانيا بعد ثلاثة عقود تقريبا من المقاومة الشديدة على جميع الشروط المتعلقة بقواعد المغادرة الهندية. وهكذا انطوت صفحة حزينة من عمر الإنسانية أظهرت جبروت القوة حين تفقد الصواب.