تزخر الحضارة الإسلامية بتاريخ يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا، غير أن حضور هذا التاريخ في الوعي المعاصر بات يتراجع أمام سطوة السرديات العالمية الحديثة، التي تُنتج نماذجها عبر الدراما والسينما وتعيد تشكيل وعي الأجيال. لم تعد المشكلة في غياب التاريخ ذاته، بل في طريقة حضوره أو غيابه عن الصورة الثقافية التي يتلقاها الجيل الجديد، الذي يعيش اليوم في فضاء مفتوح، تتزاحم فيه القصص وتتنافس فيه النماذج على تشكيل المعنى والتاثير . الجيل المعاصر وصراع النماذج يعيش الجيل الحالي في فضاء إعلامي شديد الكثافة، حيث تتصدر نماذج الشهرة والرياضة وصناعة المحتوى المشهد، وتصبح أكثر حضورًا من الرموز التاريخية والفكرية. هذا الحضور لا يُقاس فقط بالانتشار، بل بقدرته على تشكيل السلوك والخيال وتحديد معنى النجاح والقدوة. فشخصيات مثل هؤلاء العلماء ابن خلدون، وابن سينا، وابن الهيثم، ليست مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل نماذج فكرية وعلمية تحمل رؤية للعالم، تقوم على الحكمة والمعرفة والتجربة الإنسانية، إلا أن حضورها الإعلامي المعاصر يكاد يكون محدودًا مقارنة بحضور رموز أخرى في الثقافة العالمية. هذا الغياب لا يعني انقطاع القيمة، بل يشير إلى فجوة في التمثيل البصري والسردي، حيث لم تُنقل هذه الشخصيات بعد إلى لغة درامية حديثة قادرة على مخاطبة الخيال المعاصر إلا في أعمال قليلة ومنها مسلسل عمر الذي شكل ثورة آنذاك حيث يعتبر من اقوي الأعمال التاريخية الدرامية التي تناولت سيرة الخليفة والصحابي عمر بن خطاب وكان له تأثير كبير على كل من تابعه . الحضارة الإسلامية في المشهد العالمي رغم ذلك، شهدت الساحة العربية بعض المحاولات المهمة التي أعادت تقديم جزء من هذا التاريخ إلى جمهور أوسع، من أبرزها فيلم “الرسالة” الذي قدّم رؤية سينمائية مبكرة ل الرسالة المحمدية ومفاهيم وثوابت الإسلام، وفيلم “عمر المختار” الذي جسّد تجربة المقاومة في ليبيا، وقدم نموذجًا إنسانيًا وتاريخيًا لرمزية الصمود في وجه الاستعمار. هذه الأعمال، رغم محدوديتها ، إلا أنها استطاعت أن تعبر حدود الجمهور المحلي إلى فضاء أوسع، وأن تضع التاريخ العربي والإسلامي في سياق إنساني يمكن أن يتفاعل معه المتلقي العالمي. لكنها بقيت محاولات متفرقة، لا تمثل صناعة مستمرة قادرة على بناء تراكم ثقافي طويل المدى ،فهل من الممكن اليوم انتاج اعمال باللغة الإنجليزية قادرة على المنافسة بقوة لإعادة رسم الشخصية العربية عالميا ؟ تحديات السرد واللغة البصرية المعضلة الأساسية ليست في نقص المادة التاريخية، بل في غياب تحويلها إلى سرد بصري معاصر قادر على المنافسة عالميًا. فالعالم اليوم لا يتلقى التاريخ عبر الكتب فقط، بل عبر الصورة، والدراما، والسينما، والخيال المعاد إنتاجه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طريقة تقديم هذه الرموز، ليس باعتبارها سردًا ماضيًا، بل كقصص إنسانية تحمل قيمًا عالمية تتجاوز الجغرافيا والزمن، وتخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه جزءًا من سياق ثقافي محدد. ويبقى السؤال المفتوح هو كيف يمكن إنتاج أعمال تاريخية، تقوم بإعادة تعريف للصورة، وللصوت، وللرمز، لشخصيات حقيقية تحاكي الواقع و تتحول إلى حضور فاعل حي في الوعي العالمي ونموذج يحتذي به شبابنا . * كاتبة ليبية